على عتبة عين الفرس ـ للميلودي شغموم


على عتبة عين الفرس ـ للميلودي شغموم
عبد القادر زين الدين -2019
تابع المزيد

مهارة إنتاج نص حكائي: 1ـ السرد


2ـ  أنشطة التطبيق [ المنير في اللغة العربية ـ جذع التعليم الأصيل وجذع الآداب والعلوم الإنسانية ـ ص 53]

* اقترح سرد أقصوصة تتحدث فيها عن شخص يهاجر من البادية في اتجاه عمه الذي يقطن في المدينة، فيتيه في شوارعها وأزقتها دون أن يعثر على عمه.
- يمكن الإستعانة بالخطوات التالية :
1- تحديد الشخصيات الرئيسية : (عباس + العم أحمد) الشخصيات الثانوية (الجيران البقال..)
2- تعيين الزمان والمكان : (الزمان الصيف – المكان : البيضاء)
3- الإعتماد على تسلسل الأحداث من البداية إلى النهاية (تتابع الأحداث)
4- تحديد الرؤية السردية (الرؤية من خلف)
5- صياغة كل ذلك في شكل متسلسل ومترابط :





وصل عباس مدينة الدار البيضاء زوال يوم صيفي شديد الحرارة، غادر محطة الحافلات وهو يحمل على كتفه حقيبته الجلدية، وفي يده ورقة صغيرة تحمل عنوان عمه أحمد، أوقف رجلا تبدو عليه علامات الوقار والثقة، فطلب منه المساعدة للوصول إلى العنوان، حمل الرجل الورقة بيده، حدق فيها طويلا، فقال " المكان بعيد من هنا " استقل الحافلة 108،  عندما تصل إلى المحطة الأخيرة، اسأل هناك، ركب عباس الحافلة وهو شارد الذهن يسائل نفسه: ماذا لو لم أجد عمي، وأدركني الليل في هذه المدينة؟ و بعد ساعة من السير توقفت الحافلة، نزل عباس لا يعرف إلى أين يتجه، تقدم نحو بقال، و قال بصوت منخفض " أرجوك أريد الوصول إلى هذا العنوان المكتوب على الورقة "فقال البقال بدون تردد، عليك أن تسير مشيا لمدة عشرين دقيقة في هذا الاتجاه، و عندما تصل إلى المدار الطرقي الثالث، اسأل أي شخص هناك و سيدلك على العنوان" توجه عباس متثاقل الخطى و قد أخذ منه التعب، و عند وصوله إلى المدار الثالث، سأل عددا من الأشخاص، إلى أن وصل إلى المنزل المقصود، طرق الباب و هو يكاد يطير فرحا، فتحت الباب سيدة في الثلاثينات من عمرها، وقبل أن تنطق بكلمة، خاطبها قائلا: " أنا عباس ابن أخ السيد أحمد صاحب المنزل، هل هو هنا؟ " نظرت إليه السيدة باستغراب " لا يوجد شخص بهذا الاسم، لقد اشترينا هذا المنزل منذ أشهر، ربما يكون عمك هو الساكن السابق، مع السلامة يأ أخي " وأغلقت الباب في وجهه، ... شعر عباس بالخيبة و الدوار، وضع حقيبته أرضا، وجلس فوقها وهو لا يصدق أنه قد وقع في ورطة.    فرح العلاوي


تابع المزيد

تكثيف المكان في " عين الفرس " للميلودي شغموم

تكثيف " المكان " في " عين الفرس ":

اشتهر الميلودي شغموم بعنايته الفائقة بعناوين رواياته التي تروم إرباك القارئ من خلال تجاوز ـ ما ألفناه في الروايات التقليدية من عناوين، ف " الضلع والجزيرة " و" الأبله والمنسية وياسمين "، و" عين الفرس " و" مسالك الزيتون "... كلها عناوين تستفز القارئ وتوحي بتوتر حاد بين محفل الإنتاج ومحفل التلقي، وفي الواقع، يعتبر العنوان عتبة لا يمكن تجاوزها في قراءة الأعمال الروائية لهذا المبدع، فهي تشير إلى أهم المكونات السردية التي يراهن عليها في بناء خصوصيات الخطاب.
ـ تكثيف المكان في العنوان:
يدل العنوان بغموضه والتباسه على صنعة روائية حديثة ومنفردة تؤسس مسافة بينها وبين أفق انتظارنا، فإذا كان العنوان في الأعمال الروائية التقليدية يزداد وضوحا كلما توغلنا في قراءة العمل، فإن عنوانا مثل " عين الفرس " يزداد غرابة كلما والتباسا مع قراءة كل فصل من فصول الرواية، فالسارد يعمد إلى إقحام العنوان في صلب لعبة السرد عن طريق التردد والتراجع، والتناقض مما يؤدي إلى خلق تعتيمات إضافية[1], وقد اخترنا الانطلاق من عنوان رواية شغموم لارتباطه بعنصر الفضاء المكاني، إن لم نقل إنه يكثفه تكثيفا شديدا في هذا العمل السردي المتميز.
لا يستمد عنوان " عين الفرس " غرابته من تركيبه اللغوي ودلالته الحرفية على ذلك العضو من جسم الحيوان، بل تتوالد الغرابة من كونه عنوانا لعمل روائي، أن غموضه يستفز القارئ ويثير في ذهنه تساؤلات لا يجد لها أجوبة إلا عند نهاية قراءة النص والوقوف عند اشتغال مكوناته وخصائصها، وما أن يشرع في تصفح الرواية حتى يجدها تنقسم إلى قسمين: "رأس الحكاية" و "الذيل والتكملة"، وينقسم كل قسم إلى ثلاثة فصول يعنون كل واحد، على التوالي، بحرف من حروف كلمة "عين" وهكذا نصبح أمام "عين" في "الرأس" وأخرى في "الذيل"، ونتحول من "الفرس" إلى "الحكاية"، وبذلك تخلق طريقة بناء الرواية إحساسا بوجود بناء معماري موسوم بالتعدد والاختلاف والتعقيد، وبوجود عالم عجيب ينزاح عما هو مألوف في الطبيعة، إن هذه الرواية التي تراهن على المزج بين "الواقعي" و"العجيب، تحكي "المتخيل بامتدادته الأسطورية، في تواشج مع متغيرات الواقع، إنها تقول شيئا وتقصد شيئا آخر، أي إنها تتحدث عن الخرافي وتتغيى الواقعي أو العكس"[2]، وفي هذا السياق يصبح النص الروائي نصا ممتلئا وكثيفا، فهو يرتكز على التلميح والإيحاء، فنرى الواقع بإحباطاته وهزائمه، وركوده أكثر غرابة ومعقولية من الأسطورة، ونرى الأسطورة أكثر معقولية من الواقع، ويأخذ السارد بأيدينا حين ينبهنا إلى كون التشخيص النقدي للواقع يرتكز في الرواية على ما فوق ـ الطبيعي لكون وقائعه وحكاياته تقبل الاختلاف والإنشاء، فهو يقول:
" ربما كان هذا الإحساس هو الأصل في نشوء الأسطورة، ولكن من أين لي أن أعرف ـ آنذاك ـ أني كنت أساهم في تحويل الواقع إلى أسطورة، وأنا أجهل الحدود الفاصلة بين الواقع واللاواقع، وأنا أرى قرى تتفتت في كل الأنحاء، برا وبحرا، خارجا وداخلا: أ لم أكن أظن أني أحاول أن أفك الواقع من أسر الأسطورة؟ " [3]
وفي موضع آخر يوضح: " لهذا السبب كم فكرت في اختلاق حوادث لا واقعية ولا معقولة، تكون مجرد إنشاءات شخصية، لأن الحوادث الواقعية والمعقولة ظلت تبدو لي لا واقعية ولا معقولة بشكل تام، وكأن الأمر يتعلق بحوادث وراء هذه التي نضيع وقتنا في الاهتمام بها، وكأن هذه الحوادث التي تظهر لنا حوادث هامشية وسطحية وضعت لنا وضعا، ولكن بإتقان، لكي تلهينا عما هو جوهري وحقيقي، وكأن الحوادث الواقعية ـ المعقولة فعلا من خارج هذا الكوكب ـ الذي يبدو لنا ساكنا ـ وتخضع لمنطق مخالف لكل أنواع المنطق السائد على وجه الأرض، لمنطق غير العين والذاكرة " [4]
لقد ألقت هذه المزاوجة بين الواقعي والعجيب بظلالها على تجنيس النص وجعلته يقف عند تخوم عدة أنواع، فهو، بما يتضمنه من توقع وتحولات غريبة وزمن مستقبلي، يلامس حدود رواية الخيال العلمي، كما أن تلوين عالمه بما هو فائق للطبيعة وما تتضمنه حياة شخوصه من خفايا وأسرار، وظهور السارد كما لو كان يملك مفاتيح تلك الخفايا وحده، كلها عناصر تقرب النص من الرواية الصوفية، ومن جهة أخرى، تبدو الرواية الاجتماعية الإيديولوجية، نوعا ملائما لتصنيف " عين الفرس " التي ترتكز على وجود أطروحة تتضمن مثلا أعلى من خلاله يتم التشخيص النقدي للواقع، وتتلخص الأطروحة في تلك المحاكمة الأخلاقية للذات اللامبالية والمتفرجة على ما يحدث ويجرى أمامها، مما يولد الغربة والاحساس بالذنب.[5]
المكان وتعدده الدلالي في لعبة السرد.
تستمد العناصر البانية للنص الروائي أهميتها وملامحها الخاصة من ذلك السياق النوعي الذي يتغذى من تقاطع عدة أنواع، ومن توظيف معطيات خرافية وعجيبة تؤسطر الواقع وتقدمه في صورتين دفعة واحدة. ولعل أبرز ما يسم تلك العناصر هو لمحة التكثيف. فالشخوص والأحداث والزمان والمكان كلها امتد إليها عمل التكثيف بدرجات متفاوتة. ونحن نعتقد أنه إذا كانت "الشخصية" قد جاءت في المرتبة الأولى من حيث درجة الكثافة في "الأبله والمنسية وياسمين" فإن "المكان" هو الذي حظي هذه المرتبة في "عين الفرس". إن الشخصيات الروائية، بالتباسها واختلاف طرق الحكي عنها وتعدد رؤيا النظر إليها، تحولت في الرواية الأولى إلى ما يشبه اللغز. وفي الرواية الثانية تحول "المكان" إلى لغز يحير القارئ، فما نكاد نقبض على دلالة من دلالته حتى نفاجأ بدلالة أخرى يضيفها إليه مجرى السرد. إن "عين الفرس"، باعتباره اسما يطلق على أماكن مختلفة، تحول إلى علامة تحمل مدلولات معارضة. وقد نبهنا السارد في افتتاحية الرواية إلى ما سنلاقيه من خلط بين أماكن عديدة:
"إلا أني في كلتا الحالتين سأكون شيخا ضعيف الذاكرة والعقل والخيال، هرما ميالا إلى الخلط بين التواريخ والأحداث، وكذلك بين المصادر والأسماء، ناهيك عن الزمان والمكان، وعن الباطن والظاهر، وعن الحلم والخيال، وعن الحقيقة والوهم، وعن الماضي والحاضر والمستقبل"[6]

أـ تغريب المكان وأسطرته: يتم تغريب المكان منذ أول عبارة يفتتح بها السرد، وذلك من خلال علاقة المكان (إحدى الإمارات الكئيبة) بزمن الوقائع المكونة للحكاية، وهو زمن يقع في المستقبل البعيد (2081)، وفي الواقع ينقسم المكان في "عين الفرس" إلى مكانين:
ـ مكان مغلق: وهو قصر الأميرال الذي يكتسي ملامحه من مجالس الحاكم التي تجعله فضاء للمتناقضات. ونحن نلاحظ أن هذا المكان لا يقدم إلينا من خلال تحديد مميزاته العمرانية والهندسية، بل يقدم إلينا في علاقته بالشخوص التي تجعله فضاء يكثف ملامح فئة اجتماعية، وهي السلطة الحاكمة. إنه للإمتاع والمؤانسة والتسلية والمكر والخديعة والحساب والعقاب والقهر والرعب والمكر والرياء، في آن واحد، وهو مكان يحضن قصة الراوي محمد بن شهر زاد مع الأميرال أبو السعد بنسعيد:
" أمر الأمير، وارث حظه الأميرال أبوالسعد بنسعيد، بإحضاري إلى قصره، وكنت إذ ذاك قد اعتكفت، مدة عام، في بيتي مكثرا من الصلاة والصيام والتأمل..  أجلسني الأميرال، أصلح الله أمره، بين غلمانه ومؤنسيه من شعراء ومغنيات ومهرجين وعلماء وهو يسألني عن أحوالي فوصفتها له بكثير من العناء والحزن والخوف إلى أن تعب وكاد يغضب فتدخل كبير مؤنسيه، وكان الأميرال قد أشار إلى إحدى المغنيات فأخذت تعدد محاسنه بشكل شديد المبالغة وكأنها تهجوه" [7]
ـ مكان واسع ومنفتح على البحر: وهو بلدة شاطئية صغيرة تدعى "عين الفرس" إنه مكان مؤسطر لكونه يحضن وقائع عجيبة، ففيه تدور حكاية "الولد الضال والرجل الطيب" التي يرويها محمد بن شهر زاد الأعور داخل مجلس الأميرال، بعد أن رواها محمد النفال الذي وصلت إليه بدوره من خلال رواة آخرين. ويستمد المكان أبعاده العجيبة من خلال انفتاحه على البحر، الذي يبتلع سكانه بعد أن أغوتهم أكذوبة أطنان " البسطيلة" الملقاة داخله، فاقتحموا من أجلها لجته دون عودة، وإذا كان هذا المكان يحضن أحداث حكاية تشبه خرافة هو جزء لا يتجزأ منها فإننا نفاجأ بالراوي محمد بن شهر زاد ينفيه الأمير إلى المكان نفسه بعدما أنهى سرد حكاية "الولد الضال والرجل الطيب "، فتختلط علينا الخرافة بالواقع، لقد كان ثمن السرد عن "عين السرد" باهظا:  الاتهام بالخيانة والخداع. وحين يتم جلد الراوي واستجوابه من قبل كبير المؤنسين، يلجأ إلى مضاعفة دلالات "عين الفرس"، فيصبح الاسم دالا على أشياء وأماكن عديدة، وعلى اللامكان أيضا، وهو ما يلخصه هذا الاستجواب الذي نسوقه على الرغم من طوله:
ـ أين توجد عين الفرس؟
يا للسؤال البليد ! أيمكن أن يطرح هذا السؤال من كبير المؤنسين !؟
ـ لا توجد في أي مكان، قلت لكم إنه في كل الدنيا لا يوجد مكان بهذا الإسم وإن وجد فعلا فأنا أعرف أن ذلك مجرد صدفة !
هم يظنون أننا نحكي لنتحدث عن مكان معين ونحن نذيب المكان لتكون الحكاية ممكنة:
ـ نحن على يقين أننا توجد في مكان ما، وفي مكان غير بعيد عنا ! بالطبع مكان الحكاية، كونها أقرب إلينا من حبل الوريد، ولكن ...
ـ في رأس الفرس، الحيوان الذي اسمه الفرس.
لم أكن أمزح، فقد حاولت أن أكون في مستوى تفكيره، إلا أنه غضب حتى اختلط الثعلب برفيقيه، فحاولت أن أستدرك:
ـ في بيت الأمير، هي الآلة الصغيرة التي في بيت الأمير!
ضحك بخبث بليغ هذه المرة:
ـ نعرف إذن أنها توجد في هذين المكانين: رأس الفرس وبيت الأمير ! (...)
ـ هناك مكان ثالث توجد فيه، هذا بالضبط ما نريد أن نعلمه منك ! (...)
ـ إنها اسم سري لإحدى المدن الشاطئية بالإمارة ! (...)
ـ أرأيت، يا سيدي، كيف تكون الحكاية واقعية أحيانا !؟ أنا والله ما صدقت يوما أن الحكاية خرافة أو وهم، كنت أظن أن الحكاية، كهذه التي رويتها لكم، تاريخ أعم وأشمل وربما أدق من كل تاريخ يكتبه المؤرخون اليوم !" [8]
يتضمن هذا الاستجواب سيلا من المفارقات اللفظية المرتبطة ب "عين الفرس" مما يولد نبرة ساخرة تجد في التوتر والدراميى ضالتها، فالمكان أصبح المحرك الفعلي لما يجري من أحداث، فمحمد بن شهر زاد اتخذ "عين الفرس" إطارا مكانيا يحضن وقائع الحكاية العجيبة التي يريد ظاهريا أن يسلي بها الأمير باعتبار الحكب وسيلته في الكسب، لكنه أصبح ضحية ذلك المكان المتخيل وما شهده من وقائع، ف "عين الفرس" هي مدينة شاطئية توجد بإمارة الأمير، والحكي عنها بلغة ماكرة تغلف الواقعي بالخرافي هو نوع من التعريض بالأمير ونقد لسير شؤون إمارته. وعبثا يحاول الراوي / البطل إخفاء مقاصده من خلال التردد والتعتيم في تحديد دلالة " عين الفرس" لكونها تعد مشتركا لفظيا تلتقي فيه أسماء عدة أماكن، لكن الحكم يصدر في حقه:
ـ أمرنا نحن الأمير وارث حظه أبا السعد بنسعيد، بما يلي:
أولا عزل عين الفرس عن بقية مدن وأنحاء الإمارة إلى أن تطهر.
ثانيا تكميم فم حاكينا الأسبق، محمد بن شهر زاد الأعور، ونفيه إلى عين الفرس.
ثالثا، يقضي محمد بن شهر زاد الأعور، في عين الفرس مدة تسعين يوما مكممما معلقا السم في عنقه، ثم يحمل إلينا، بعد انقضاء هذا الأجل، ليتجرع السم في حضرتنا " [9]
عندنا ننقل إلى القسم الثاني " الذيل والتكملة" تتحول "عين الفرس" إلى مكان للنفي والعزلة عن العالم، وتقترن في انفتاحها على البحر بالاختفاء والموت واللغز المحير، وهكذا نعاين السارد / البطل يتحول فيما بعد أن أخرجه الصيادون من كيس عثروا عليه بشاطئ المدينة ولأن المكان تتضاعف غرابته من خلال إحساس السارد بمعرفته المسبقة بالمدينة، ومعرفة سكانها بقصته مع الأمير، لا يجد محمد بن شهر زاد غير الصور البريئة والمسالمة لوصف تلك المدينة وصفا يتناقض مع وضعه بها (النفي والتكميم). وهذا يشكل الوصف وواقع الحال طرفي مفارقة:
" عين الفرس" مدينة شاطئية صغيرة مرتفعة قليلا عن سطح الماء، في شكل هضبة تناثرت البيوت البيضاء الناصعة على جهتها المطلة على البحر، بحيث تبدو المناظر إليها من جهة الشاطئ وكأنها تتدلى، مثل باقات من الورد الأبيض، من عنان السماء، ولأن السماء تختلط بالبحر، بالنسبة للناظر إليها من إحدى الهضاب الأقل ارتفاعا الملتصقة بها، فإن المدينة تظهر آنئذ وكأنها البياض الذي يربط بين عمق البحر وارتفاع السما، كما لو كانت جبل ثلج عظيما يشكل سلما يصل بين ما تحت وما فوق وما حول ...
وعلى كل حال، فهذا هو انطباعي الأول عن كل تلك المدينة ... لقد أخرجني بعض الصيادين من الكيس، ولما رأوا حالي رقوا لي ونصحوني بأن أبحث لي عن مكان .. [10]
لا ينسجم وصف المدينة في هذا المقطع، مما فيه من إحساس بالجمال والطمأنينة، مع الحالة السيئة التي تقدم لنا عن وضع الوصف ( ولما رأوا حالي رقوا لي )، فهل يخدع السارد القارئ بعد أن خدع الأمير؟ أيضمر هذا الوصف استمرارا في المكر، أم أنه نوع من التقية والحرص على تجنب ما قد تفضي إليه صراحة اللسان وصدقه من عواقب؟.
تفرض هذه الأسئلة نفسها أكثر عندما نلاحظ ذلك الإصرار المتعمد من السارد على الاستمرار في الوصف "الإيجابي " و "البريئ " لمدينة كان الحكي عنها سببا في سجنه، مع إرفاق الوصف بنظرة الناس إليه التي يفترض أن تعمق الإحساس بالمحنة:
" وكنت أجلس على قمة كل هضبة أتأمل "عين الفرس" التي بدت لي ـ من جميع هذه القمم الخمس ـ كما كانت سفينة بيضاء بين زرقتين صافيتين ... وذلك إلى ما بعد العصر بقليل، ثم عدت إلى الأزقة والمنازل والمحلات أتفحصها فتبين لي ـ بما يشبه الحلم أو الرؤيا أو التذكر ـ أني أعرف الكثير منها ! ولقد فوجئت بالناس يحيونني ويذكرون اسمي وكأني واحد منهم، وكثيرا ما كنت أسمعهم يحكون لبعضهم قصتي معلقين على ذكري ـ أو مجرد رؤيتي ـ بعبارات قصيرة من نوع " هذا هو الرجل الذي توهم بأنه صديق الأمير ! " أو " لم يعرف المسكين أن السلطة لا تحتاج إلا إلى الخدم ! " و" دارت الآلة والمغفل عنها غافل !" أو " ‘‘إنه رجل غلبه لسانه !" ... [11]
ب ـ المكان قوة فاعلة أساسية في النص:
ينزلق الحديث بنا عن المكان في رواية " عين الفرس " في شتى الاتجاهات، فما خضع له من تكثيف شديد وما حظي به من عناية يجعله البطل الحقيقي والقوة الفاعلة الأساسية المحركة للأحداث في النص، حوله تدور الحكاية ومنه تكتسب أبعادها الأسطورية والواقعية، هو فضاء للنفي والقمع والجمال وتناسل الأوهام والأكاذيب التي تتعايش جنبا إلى جنب، هو الواقع والمحتمل، الذكرى والحلم والرؤيا. إنه المتشابه في الاسم والمختلف في الأبعاد والدلالات، تتعدد زوايا النظر إليه، ومنه تستمد الشخوص قوتها على اختلاق الأوهام وتصديث الوعود الكاذبة، وفيه تعلن عجزها عن إيقاف الكارثة التي تهدد الجميع. نتعب ونتلهف على امتداد النص لمعرفة حدوده، فيقاومنا بتعدده ونسبيته، وعندما تتم القراءة نكتشف أننا من ضحاياه. إن " عين الفرس" ليست مجرد عين حيوان، أو آلة لتضخيم الصوت تشبه رأس فرس بعين واحدة، أو بلدة خرافية، أو مدينة شاطئية لها وجود جغرافي واقعي .. بل هي كل ذلك، وهي الرواية نفسها باعتبارها مكانا مصنوعا من أوراق وكلمات.



[1][1] أحمد اليابوري: دينامية النص الروائي ص 110
[2]  المرجع نفسه، ص 114
[3]  عين الفرس ص 66
[4] عين الفرس ص 71
[5] انظر في هذا الصدد: عبد الحميد عقار: الرواية المغاربية تحولات اللغة والخطاب ص 140 ـ 141
[6]  عين الفرس ص 5
[7]  عين الفرس ص 6
[8]  عين الفرس ص 38 ـ 39
[9]  عين الفرس ص 42
[10]  عين الفرس ص 47
[11]  عين الفرس ص 47
المرجع: " بلاغة تكثيف المكان في روايتي " الجنازة " و "عين الفرس ". د العلمي الدريوش، مجلة بلاغات، العدد الأول، شتاء 2009 ، محور العدد: بلاغة الرواية 


تابع المزيد

هل يمكن أن يكون الفضاء الأزرق (فايسبوك) وسيلة تربوية؟

تطورت أساليب التواصل التربوي بين الطلاب والطالبات، وبينهم وبين أساتذتهم وأستاذاتهم، ولعل التطور الحالي في مجال تكنولوجيا المعلومات وتفاعل عموم الناس فيما بينهم عبر حواسيبهم وهواتفهم الذكية باستعمال مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي قد سمح بالقول إننا فعلا نعيش عصر التواصل الإلكتروني.

وإذا كانت مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي كثيرة من أشهرها انستاغرام ولينكيدن وتوتر وغوغل بليس فإن أشهرها وأكثرها انتشارا وشيوعا بين الناس في تصوري هو فايسبوك الذي يتفاعل عبره ملايين الناس عبر العالم عن طريق حساباتهم، فضلا عن عدد هائل من المجموعات الافتراضية والصفحات الالكترونية؛ ويمكن للمتواصل عير الفايسبوك استعمال أي لغة يراها كفيلة بتبادل المعطيات والمعلومات مع الآخر، كأن يتواصل بالأمازيغية أو العربية أو الانجليزية او الفرنسية، ومن الغريب حقا أن البعض من المتواصلين يستعمل لغة هجينة تجمع بين هذه وتلك. كاستعمال المتواصلين بالدارجة المغربية او بالعربية حروفا وارقاما لاتينية في كتابة خطاباتهم.
ولعل أهم ظاهرة تواصلية عبر الفايسبوك تكمن في نظري في عملية البث المباشر، وما يتيحه من إمكانيأت التفاعل المباشر مع الآخرين، خاصة تلقي الأسئلة والإجابة عنها، ويمكن استثمار ذلك في عملية التعليم عن يعد الذي أصبح معتمدا عند العديد من المؤسسات، أضف إلى ذلك أهمية ما يعرف بالهاشتاغ الذي يمكن من الربط بين التحليلات المختلفة لنفس الموضوع، أو وضع أسئلة معينة والإجابة عنها، أو على الأقل تسهيل عملية التواصل وتيسير الولوج إلى الصفحة أو المجموعة. ومن أمثلة الهاشتاغات التي يمكن أن تطرح في المجال التعليمي: #مادة_اللغة_ العربية_شعبة_الآداب_و_العلوم_الإنسانية.
إن التواصل التربوي يمكن ان يكون رافدا من روافد التواصل الالكتروني عامة، حيث يمكن أن يكون الفايسبوك باعتبار مدى شيوعه بين الطلاب والمدرسين وسيلة تعليمية مهمة، ولعل ذلك ما هو حاصل الآن بحيث نجد صفحات خاصة بمواد التدريس وشعبتها، مثل صفحة مادة اللغة العربية، شعبة الآداب والعلوم الإنسانية. كما نجد صفحات تتعلق بالأساتذة كصفحة الأستاذ الفلاني، او صفحة تحمل اسم الهدف منها كصفحة الدعم التربوي او صفحة تحليل نصوص الباكلوريا، على أن الضروري في ذلك كله هو مشاركة المعلومات والتفاعل مع الآخرين بالتعليق وإبداء الرأي.
كما تجدر الإشارة في هذا المجال إلى اهمية التواصل عبر الفايسبوك، إذ يمكن أن يكون ذلك مكملا للتواصل في فضاء الفصل وقد يستعمل لطرح أسئلة أو إعداد موضوع...
ومن العراقيل التي يمكن أن تنشأ في هذا المجال عدم استعاب رواد الصفحة للهدف اارئيس من التواصل عبرها، كأن يكون هدف بعض التلاميذ أو التلميذات هو الحصول على منهجيات جاهزة للاعداد ليوم الاختبار بأقل جهد.
ومن أكثر عراقيل النواصل التربوي الإلكتروني ما يعرف بصفحات #تسريبات التي يوظفها الغشاشون والغشاشات يشكل كبير يوم اجتياز الامتحانات، إذ يتم تصوير ورقة الامتحان فور بداية الاختبار، على أن يتعاون رواد الصفحة، أو لجان مختصة في إعداد الإجابات، وهو الأمر الذي يضرب العملية التربوية في الصميم.
عبد القادر زين الدين


تابع المزيد

مواضيع مباراة الدخول إلى مسلك تكوين المفتشين التربويين للتعليم الثانوي التأهيلي ـ اللغة العربية ـ 2016







تابع المزيد

تحميل منشورات المجلس الأعلى للتعليم بالمغرب

دفاتر التربية والتكوين










11ـ الإدارة التربوية ومشروع المؤسسة







المدرسة المغربية


         المجلة رقم 6 
          المجلة رقم 4-5 





تابع المزيد

قراءة نقدية في التقرير التحليلي لتطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين 2000ـ 2013 ـ د.محمد الدريج

قراءة نقدية  في
"التقرير التحليلي،لتطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين 2000 2013 :
المكتسبات والمعيقات والتحديات"
للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي  (الرباط - ديسمبر 2014)

تقديم

تنتظم قراءتنا النقدية لهذا التقرير التحليلي ، حول خمسة عناوين رئيسة تركز على الجوانب المنهجية، على أن تتلوها لاحقا قراءات وملاحظات تشمل مضامينه و خلاصاته.
وللتذكير فقد أحدث المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بتاريخ 16 ماي 2014، تطبيقا لمقتضيات دستور2011، ليحل محل المجلس الأعلى للتعليم . و  من أدواره فضلا عن تقديم المشورة ،" تنوير ذوي القرار والفاعلين والرأي العام، بواسطة التقييمات الكمية والنوعية، المنتظمة والدقيقة لمختلف مكونات منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي ".لذلك كان من الطبيعي أن ينجز هذا التقرير ألتقييمي والذي جعلناه محورا لهذه القراءة النقدية والتي نبغي منها ،المساهمة بدورنا و بموضوعية وتجرد ،في تنوير كل من يهمه الأمر بمن فيهم أعضاء الهيأة التي أشرفت على إعداده ،و المساهمة بالتالي في تطوير التعليم ببلادنا.

1-   مبررات التقرير و ربط المسؤولية بالمحاسبة

ينطلق هذا التقرير ،حسب معديه، من الوضعية التي آلت إليها منظومة التعليم ببلادنا ،ومما أبانت عنه العديد من الدراسات والتقارير الوطنية والدولية ،  من اختلالات متواترة ومتعددة الأوجه. حيث أصبحت المدرسة عرضة لانتقاد الفاعلين والمهتمين الذين يشتكون من عدم وفاء السياسات التربوية المتعاقبة بوعودها والتزاماتها. فأصبحت المدرسة المغربية والعمومية منها على وجه الخصوص، "مؤسسة في وضعية أزمة، تستهدفها الانتقادات من كل جانب وتعتبرها مصدر كل الأزمات الأخرى، مثل الأزمة الاقتصادية، لكونها لا تؤهل المتعلمين لسوق الشغل؛ والأزمة الثقافية، لكونها لم تعزز السلوك المدني وسط الأجيال الناشئة؛ والأزمة الاجتماعية، لأنها فشلت في مهمتها التربوية القاضية بتكوين مواطن مسئول".
ضمن هذا السياق ،سياق الأزمة التي يعانيها نظامنا التربوي والمطالب الملحة من كل الجهات، للإسراع بإصلاحه ، "أصبح ،كما يقول واضعو هذا التقرير ،تقييم تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين ،مطلبا مستعجلا وشرطا ضروريا لتقدير الإنجازات الملموسة وتحليل الفوارق إزاء ما أوصى به، وذلك من أجل فتح آفاق تأهيل النظام التربوي وتطويره والخروج به بالتالي من أزمته".
"إن التقييم الإجمالي والشامل ، حسب هذا التقرير ، لتطبيق الميثاق على مدى أكثر من عشرية (من سنة 2000 إلى سنة 2013)، أصبح أمرا ضروريا سابقا على كل مسعى لإعادة تأسيس نظام التربية والتكوين والبحث العلمي... و ذلك من خلال فحص ما تحقق من تقدم ومن مكتسبات، مع إبراز الاختلالات والصعوبات التي تمت مواجهتها، من أجل تقييم درجة نجاح هذا التطبيق بشكل شمولي والتعرف على دعامات ورهانات التربية التي تتطلب تدخلا فعالا في السنوات المقبلة".(ص9 من التقرير).
لكننا نعتقد ، أن مثل هذه الدراسات و التقارير التقييمية  ،لا تحتاج إلى مبررات،ولا ينبغي أن تأتي نتيجة أزمات و اختلالات .فهي من الضروريات وربما من الروتين ،في جميع الأنظمة التي تسعى نحو التطوير ونحو إرساء الديمقراطية الحق وربط المسؤولية بالمحاسبة . وفي المغرب و بعد المصادقة على الدستور الجديد سنة 2011، تم إدراج مفهوم ربط المسؤولية بالمحاسبة في وثيقة النظام الدستوري المغربي ،كركن رابع بعد الديمقراطية المواطنة و التشاركية و الحكامة الجيدة وفصل السلط وتوازنها وتعاونها. لذاك  فالغرض الأساسي للتقييم هو المساءلة وليس فقط الإعداد لوضع إستراتيجية إصلاحية . ففي ظل نظام ديمقراطي ، فإن المرافق والخدمات العامة مثل وزارة التربية الوطنية وغيرها من الوزارات ، مسئولة عن عملياتها وعن كيفية تدبير شؤون قطاعها  وعن سبل  استخدام الموارد المرصودة. إن تقييم السياسات العمومية هو في الواقع مطلب ديمقراطي ، لأنه يتيح للمعنيين ولعموم المواطنين ، المعلومات الموضوعية التي تمكنهم من تشكيل أفضل رأي حول الخدمات العامة و مساءلة في نفس الآن، أصحابها . فضلا عن هدف التطوير و الإصلاح كما هو وارد في مبررات واضعي هذا التقرير والذين يتجنبون، ما أمكن،الحديث عن ربط المسؤولية بالمحاسبة.

  -2تقييم المنظومة والأسئلة المسكوت عنها

عمل التقرير إّذن ، على إبراز الفوارق بين أهداف وتوصيات دعامات الميثاق من جهة (وخصوصا ما يتعلق بالتطبيق) وبين الإنجازات الفعلية من جهة أخرى. فالمقصود إذن، هو كشف المكتسبات ومكامن العجز وتحديد التحديات التي يجب رفعها لتحسين جودة التربية والتكوين في المستقبل.
 "يخترق التقرير سؤالان أساسيان هما: هل حقق تطبيق الميثاق بعد مرور أكثر من عشرية، غايته المركزية المتمثلة في تحسين أداء المدرسة المغربية على عدة مستويات؟ وما هي مكتسبات الإصلاح وما هي العوائق التي تمت مواجهتها و الاختلالات التي حصلت أثناء تطبيق هذه الوثيقة؟ "إن الهدف من هذا التقرير المرتكز على دعامات الميثاق (وهو الأول من نوعه بخصوص هذه المسألة بالمغرب)، هو تقييم الفوارق بين أهداف الميثاق المذكور والنتائج المحصل عليها."(ص 10).
لكننا نعتقد أن هذا التقرير يحيد عن المقاصد بوضعه لهذه الأسئلة/الأهداف الشاردة والتي تجعلنا نبتعد عن التشخيص الحقيقي لأسباب الأزمة والكشف عن آثارها المدمرة ومحاسبة المسئولين عنها وبالتالي تخطيط معالم الإصلاح الناجع الذي طال انتظاره. فنغرق في المقاربات التقنية والتفاصيل الكمية والقواعد الإحصائية والرسوم البيانية والعناوين الفرعية،  ونبقى على السطح بدل من التعمق في الأسباب الحقيقية والمرامي الدفينة . لان السؤال في اعتقادنا، ليس عن الاختلالات في تطبيق الميثاق ، بل كان ينبغي التركيز على تحليل ومناقشة السياسات التربوية (اليمينية منها واليسارية...)التي تعاقبت خلال العشرية المقصودة والتي لم  يكن همها دائما تطبيق الميثاق ولم تكن تلتزم بالضرورة بمقتضياته ،بل كانت غالبا ما تدير ظهرها لدعاماته. سياسات قاصرة قادها بعض السياسيين (وغير السياسيين) ،الذين لم يلتزموا دائما حتى ببرامج أحزابهم ، وكانت قراراتهم المتسرعة والتي يغلب عليها العشوائية والارتجال، خاضعة في الغالب إما لضغوط المنظمات والصناديق الدولية ومكاتب الدراسات الأجنبية والمانحين باسم التعاون والشراكة ، و إما نتيجة ضغوط داخلية لم يكن دوما هاجسها الأساسي خدمة الوطن ونموه ورفاهية أبنائه وإما لقرارات ظرفية يمليها الانشغال بتدبير الشأن اليومي والهاجس الأمني والحفاظ على "المكتسبات".
إن الأسئلة التي يضعها مؤلفو التقرير ،تجعل في رأينا ، من الميثاق مجرد "قميص عثمان" أو الشماعة التي نعلق عليها سياساتنا التربوية/ اللاتربوية الفاشلة  .
كما أن السؤال /التقييم كان ينبغي أن يشمل أولا، وزارة التربية الوطنية نفسها ، (وليس فقط الوزير سياسيا أكان أم تقنوقراطيا)، في هياكلها (اوركانيكرام) وتنظيماتها وأكاديمياتها... وموظفيها وأطرها وخاصة العليا منهم والذين يؤثرون كثيرا في قرارات الوزراء خاصة من يأتي منهم من قطاعات وتخصصات أخرى بعيدة كل البعد عن التربية والتعليم،و أن يشمل التقييم "حكامتها" بل و تحكمها و تسلطها المركزي والمتمركز (ضدا عن كل مبادئ وخطط الجهوية المتقدمة) وأن يشمل السؤال ،أساليب عملها و تدبيرها للميزانيات وعقد اتفاقيات التعاون والشراكات وإبرام الصفقات (وما أدراك ما الصفقات) و أن يستهدف قبل هذا وذاك، الثقافة السائدة في دهاليز الوزارة والعقلية المتفشية في أقسامها ومديرياتها ومدى نزاهة المسئولين عنها  ...
ثم إن الهيأة التي أشرفت على هذا التقييم ، كان ينبغي أن توجه الاستدعاء كذلك ، للمجلس الأعلى للتعليم ذاته، و تستفسره عن ماذا كان يفعل خلال هذه العشرية ونيف،وعن دوره ، وأساليب عمله و تقييماته وعلاقته بوزارة التربية الوطنية والتي على ما يبدو ، لم تكن دائما وربما لحد الآن ، علاقة تعاون وتكامل واندماج ، حيث نلاحظ على سبيل المثال ،أنها لم تنتظر نتائج مشاوراته وجلسات الاستماع ودراساته والتي كانت تتم بموازاة مع مشاورات ودراسات الوزارة ، حتى أعلنت عن أولوياتها و إستراتيجياتها الخمس عشرية (رؤية أفق 2030) بموازاة وربما حتى قبل انتهاء المجلس من رؤيته وأولوياته في الإصلاح والتي قدمت مؤخرا إلى عاهل البلاد.
بل ومررت وزارة التربية الوطنية قبل ذلك ومن تحت الطاولة، قرارات خطيرة، مثل:
-إقرار مسلك البكالوريا "الدولية" ؛
- أجرأة مشروع المؤسسة ؛
الإستراتيجية الجديدة للارتقاء بالتعليم والتكوين الخصوصي وتعزيزها بميكانيزمات للنهوض به وجعله شريكا أساسيا للتعليم العمومي،
وضع خطة لتكوين المدرسين خارجة عن توصيات المجلس؛
-والشروع في تفعيل بعض الأولويات (التدابير ذات الأولوية) في إطار تنزيل خطتها الإصلاحية ورؤيتها المستقبلية الاستشرافية، والتي وضعتها ( الوزارة) باستقلال عن خطة المجلس، والمؤلفة من 23 إجراء موزعا على 9 محاور؛
- وضع بل تحسين برامج/مناهج جزئية "منقحة"،لا تندرج بالضرورة في إطار النظرة الشمولية للمنهاج المنشود في كل إصلاح حقيقي ؛
كل ذلك في ارتباط وثيق بين الأولويات و الإجراءات ...و بين وضع مشاريع وعقد صفقات، من مثل برنامج "تحسين المنهاج الدراسي للسنوات الأربع الأولى من التعليم الابتدائي"  أو مشروع "رصيد" - القراءة من أجل تطوير المهارات الأكاديمية والنمو الذاتي- مع بعض المانحين الأجانب كوكالة USAID...وغيرها.


3-   صعوبات التقييم ومحدودية التقرير

يعترف واضعو التقرير منذ البداية وفي تقديمهم لهذا التقييم التحليلي ،في 187 صفحة، والذي يقولون عنه إنه غير "مسبوق في بلادنا" ، بضعفه ومحدودية نتائجه. حيث يذكرون بصعوبات المهمة و قصورها ، "مع الإشارة إلى محدودية هذه العملية المتعلقة بمدة تتجاوز العشرية من فترة التطبيق ويطمح هذا التقرير إلى تفسير الفوارق قدر الإمكان، مع التأكيد على المكتسبات والنتائج الإيجابية،دون إغفال العوائق التي حدت من دينامية الإصلاح المنصوص عليها بالميثاق."
ويؤكد المؤلفون في مكان آخر من التقرير ،ما نحن بصدده : "نشير في البداية، إلى صعوبة تقييم تطبيق الميثاق، نظرا لتعقد نظام التربية والتكوين والبحث العلمي، المتضمن لمكونات وأبعاد عديدة، تتمثل في السياسات المتوالية ومخططات العمل والأجهزة المؤسساتية والبرامج البيداغوجية والبنيات التربوية وأنظمة تأطير الفاعلين والأطراف المعنية."
ويضيف واضعو هذا التقرير التحليلي ، إلى كل ذلك، صعوبة تجويد النظام التربوي والمدة التي يستغرقها للتأثير في المتعلمين، فيقولون "لأن تأثيرات الإصلاحات لا تدرك على المدى القصير في غالب الأحيان، بل تقتضي زمنا أطول لذلك. وما يعمق هذه الصعوبة أكثر، هو غياب تقييمات منتظمة، شاملة وقطاعية،تبرز درجة تحسن نظام التربية والتكوين نتيجة الإصلاحات".
 إن هذا الاعتراف المرير، يبرر بالضبط سؤالنا :أين كان المجلس الأعلى للتعليم، خلال هذه العشرية ونيف وأين كانت وزارة التربية الوطنية وأين كانت أجهزة الدولة الأخرى و هيآت البحث وآليات التقييم والتتبع ومجالس المحاسبة واللجان والفرق البرلمانية...؟ ألا يتعلق الأمر بمصير الملايين من أطفالنا ، بل وبمصير الأمة كلها ؟
كما يعترف هؤلاء وبكثير من الحسرة، وأمام حاجتهم الملحة لإثارة السؤال حول مستقبل المدرسة انطلاقا من "التقييمات الموضوعية وغير المنحازة"، بالقصور ويقولون: "والحال، أنه باستثناء تقرير المجلس الأعلى للتعليم لسنة 2008 وتقييمات الأبحاث حول مكتسبات التلاميذ وبعض التقييمات الداخلية بمؤسسات هنا وهناك، فإننا لا نتوفر على تقييم شامل أنجز بطريقة منتظمة وموضوعية"... ويضيفون "وفي الحقيقة، فإن هذا التقرير لا يتضمن تقييما للأثر الحاسم أو للنجاعة، بسبب ندرة المعطيات و النمذجات الملائمة. ومع ذلك، فقد تمت معالجة وتقييم جوانب من المردودية (أي المخرجات)، عبر تحليل تعميم التعليم وامتداده والرجوع إلى الأبحاث حول مكتسبات التلاميذ وإدماج الخريجين وحول الإنصاف والبحث العلمي." (ولنا عودة إلى مسالة الدراسات والمصادر والمراجع التي تم اعتمادها في التقرير، في العنوان الخامس).
ويستدرك المؤلفون ، "وقد واجه هذا التقييم الشامل إكراهات مقترنة بمدى توفر المعطيات الكمية والكيفية. ففي غياب نظام إعلامي يسمح بولوج قواعد المعطيات الكمية المتجانسة والتي تحظى بالمصداقية، اضطر هذا العمل التقييمي إلى اعتماد معطيات متفرقة وخام، بذلت الهيئة الوطنية للتقييم مجهودا كبيرا لتنظيمها مسبقا وتصحيحها".
كما يعترف تقرير المجلس هذا، بالعجز عن تقييم كلفة التلاميذ وبعض الجوانب المالية من الميزانية الضخمة المخصصة للتعليم (ربع ميزانية الدولة)،حيث يذكر :"بخصوص تقييم المجهود في مجال تمويل التربية الوطنية خلال عشرية الميثاق،  يجب تدقيق معطيين :أولا، لم ينجز الحساب الوطني المتعلق بالتربية الوطنية سوى مرة واحدة خلال السنة الدراسية 2004 - 2003 ..." ثانيا، لا تسمح معطيات الميزانية المتوافرة حاليا، بالتمييز بين النفقات الخاصة بكل سلك تعليميوبصيغة أخرى، فإن هذه النفقات غير مجزأة بحسب الأسلاك التعليمية الثلاثة للتربية الوطنية )الابتدائي والثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلي(..."(ص 180).
كما يذكرنا المجلس (راجع المذكرة المنهجية في ملحقات التقرير) بحدود تقييم التعليم العالي ويضعه تحت عنوان( نظام معلوماتي غير كاف) : "إن النظام الوحيد الذي يسمح حاليا بالتتبع الفردي للطلبة،هو النظام التطبيقي المتعلق بتنظيم وتدبير الطلبة والتعليم APOGEE  وقد شرع في استعمال هذا البرنامج الذي تم تكييفه مع النظام الجامعي المغربي، منذ سنة  2003  لمواكبة الإصلاح البيداغوجي، وهو متعدد المجالات ويتم بواسطته تدبير العديد من الوحدات،بدءا بالتسجيل الأول للطالب بالمؤسسة إلى الحصول على الشهادة الجامعية،مرورا بكافة مراحل المسار الأكاديمي )الخصائص السوسيوديمغرافية، النقط، النجاح في تصديق الوحدات... الخ.( ومع ذلك، لم يتم تعميم البرنامج التطبيقي المذكور على كل الجامعات، كما أن المعطيات لا تغطي فترة تطبيق الميثاق بكاملها".
وهنا نتساءل من جديد ،أين كان المجلس الأعلى وأين كانت وزارة التعليم العالي وماذا كانوا يفعلون؟ ولماذا لم يبادروا بإجراء دراسات علمية معمقة تغطي كل هذا النقص وتضع آليات لتخطي كل ذلك القصور؟

4-   فقر منهجي وغياب النموذج

سواء في تقديم التقرير أو في المذكرة المنهجية في نهايته (ص 173) ، يتحدث واضعوه عن المنهجية المتبعة في التقييم،بقولهم، "إن الأمر يتعلق بتقييم تراكمي واسترجاعي وشامل. فهو تراكمي، لأنه يتتبع المراحل الكبرى لتطبيق الإصلاحات المنصوص عليها في الميثاق. وهو استرجاعي، لأنه يعالج التطور الحاصل خلال فترة تتعدى العشرية، وذلك ابتداء من سنة 2000. وهو شامل، لأنه لا يقف على كل تفاصيل توصيات الميثاق. وقد واجه هذا التقييم الشامل إكراهات مقترنة بمدى توفر المعطيات الكمية والكيفية. ففي غياب نظام إعلامي يسمح بولوج قواعد المعطيات الكمية المتجانسة والتي تحظى بالمصداقية، اضطر هذا العمل التقييمي إلى اعتماد معطيات متفرقة وخام، بذلت الهيئة الوطنية للتقييم مجهودا كبيرا لتنظيمها مسبقا وتصحيحها."
كما يذكر التقرير أنه تم اعتماد منهجيتين، نظرا لحدود التقييم الإجمالي وهما:
أولا: منهج مقطعي يعمل على تقييم كل دعامة من دعامات الميثاق، انطلاقا من الأهداف التي رسمها؛وعلى القياس الكمي والتقديرات الكيفية للفوارق القائمة بين ما هو منصوص عليه في الميثاق وبين النتائج التي تم تحقيقها.
ثانيا : منهجية مستعرضة و شمولية تركز على الدعامات الرئيسية للميثاق، التي تمثل الرهانات الكبرى لنظام التربية والتكوين وتعمل على تقويم مدخلات inputs ومخرجات   outputs  نظام التربية والتكوين والبحث العلمي من خلال المداخل التالية:
 1- الموارد )المادية والبشريةالتي تمت تعبئتها  خلال عشرية الإ صلاح من جهة، ومدى ملاءمتها لأـهداف وتوصيات الميثاق من جهة أخرى، وكذلك تكوين المدرسين والدعم الاجتماعي.
2- عمليات تطبيق الميثاق من خلال الأجهزة القانونية والمؤسساتية، والإصلاحات التي تم الشروع فيها،والإجراءات المتخذة وكذا آليات الحكامة الموضوعة، لنظام التربية والتكوينوقد شكل مرجعا أساسيا بالنسبة لتقييم الفوارق القائمة بين ما نص عليه وما تم تطبيقه.وعدة الإصلاح البيداغوجي... 
3- النتائج المحصل عليها عند نهاية عشرية تطبيق الميثاق )المخرجاتعبر:
-تعميم وتوسيع التربية ؛- إنجازات المدرسة والجامعة مع التأكيد على أهم المداخل المحددة لجودة النظام التربوي والتجديد الفعلي للمدرسة، والمتمثلة في مكتسبات التحصيل الدراسي للتلاميذ والإنصاف المدرسي و المردودية الخارجية و الاندماج المهني ،وكذا تثمين البحث العلمي ..."
إننا لا نفهم كيف يمكن أن تكون المنهجية مقطعية ومستعرضة وشمولية في نفس الآن،ففي الطب مثلا، تستعمل هذه "الطريقة"، فيقال الفحص بالأشعة المقطعية في التشخيص، ولكن في سياق مغاير وبأدوات ولأهداف مختلفة تماما. أما في حالتنا فإن المنهجية المعتمدة في هذا التقرير هي المنهجية المبنية على المقاربة النسقية ( المدخلات- العمليات- المخرجات) دون أن يدري واضعوه او على الأقل دون آن يذكروا ذلك. لكنهم يستعملون التحليل النسقي بشكل ناقص و بعد إفراغه من محتواه. وكانت النتيجة التقليل من شأن العديد من الجوانب والمدخلات المهمة وفي مقدمتها الجوانب البيداغوجية و الديداكتيكية والنماذج المنهاجية (الكريكلومية) والعمليات التربوية المصاحبة من استراتيجيات وطرق ووسائل تربوية وأنشطة موازية وبرامج الدعم والمواكبة... فأتت كلها باهتة في التقرير حيث لم تغطيها سوى بضع صفحات محسوبة على رؤوس الأصابع، من حجم التقرير الذي بلغ 187 صفحة من الحجم الكبير.في حين أن إصلاح التعليم،في نظرنا، هو إصلاح بيداغوجي - نفسي – ثقافي -أخلاقي بالأساس وبالدرجة الأولى وهي الجوانب التي همشها التقرير الذي أغرقنا في مستنقع من المعطيات الكمية، وليس الإصلاح  ببناء المدارس وربطها بشبكة الكهرباء والقضاء على الاكتظاظ و الأقسام المشتركة وإعداد المدرسين وتوفير دورات المياه...فهذه الأمور ،هي من التصريف اليومي العادي، الذي يجب أن يوكل للمؤسسات و النيابات والأكاديميات ، وينبغي ألا نفخر بها على مستوى المركز كمنجزات، بل ينبغي أن نخجل من الحديث عنها بعد 60 سنة من الاستقلال.
كما كان بالإمكان اللجوء إلى نماذج و منهجيات للتقييم أكثر ملاءمة وأكثر تطورا ،بدل تكرار الشكوى من انعدامها. "وفي الحقيقة،كما يقول المؤلفون، فإن هذا التقرير لا يتضمن تقييما للأثر الحاسم أو للنجاعة، بسبب ندرة المعطيات و النمذجات الملائمة" .وهذا غير صحيح ،فالمنهجيات والنماذج متوفرة ،ومن بين المنهجيات التي كان بالإمكان تطبيقها ، في هذا التقرير،نذكر على سبيل المثال، التحليل الإستراتيجي في التقييم وهو نموذج يحظى بأهمية بالغة اليوم ، عند تقييم المؤسسات والأنظمة .  

يعتبر التحليل الإستراتيجي أداة رئيسة لتحديد العناصر الإستراتيجية في البيئة الخارجية (السياق والمحيط ) من فرص متاحة ومخاطر تحد من قدرة المنظومة على الاستفادة من هذه الفرص ، وموازنتها مع عناصر القوة والضعف في البيئة الداخلية للمنظومة .
والغاية  من التحليل الإستراتيجي ،هي معرفة وتوظيف أربعة مفاهيم أساسية : نقاط القوة والضعف الداخلية ، الفرص والتهديدات الخارجية. وهذا التحليل يبنى على دراسة المنظومة من جوهرها والمحيط الذي هو حولها. وأمام غياب مثل هذا النموذج في التحليل، أتى التقرير التقييمي ضعيفا من حيث النظرة الشمولية ومن حيث ربط المنظومة بالسياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ...والتي لها بالغ الأثر في منظومة التعليم، ومن حيث ما كان سيضيفه التحليل السوسيولوجي لفهم أزمة التربية والتعليم ،من معطيات ثمينة. إننا نعتقد أن أي تشخيص للوضعية و أية إستراتيجية إصلاحية  تتجاهل السياق العام للمنظومة والسياسة العامة للبلاد، محكوم عليها بالفشل.

5 – ضعف المصادر ومراجع منتهية الصلاحية

وفي مقابل ذلك القصور في المقاربة البيداغوجية النسقية و غياب النظرة الإستراتيجية والتحليل السوسيولوجي ،نجد واضعي التقرير يتهربون ويبررون، "إن التقييم الشامل لتطبيق الميثاق، يجب أن يركز على تقويمات قطاعية مقترنة بمختلف جوانب نظام التربية والتكوين والبحث العلمي وبكل مكوناتها ومردوديتها الداخلية والخارجية. والحال، أن هذه التقييمات القطاعية والمنجزة بشكل نسقي ومنظم، منعدمة". لهذا، ستكون مهمة تجاوز هذه الوضعية مستقبلا (إن شاء الله)، موكولة ،حسب واضعي التقرير ،للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي ، عبر جهازه وهو: الهيئة الوطنية للتقييم.
وبالنسبة للمصادر يقول تقرير المجلس :"ومن أجل القيام بتقييم تطبيق الميثاق، سيرتكز هذا التقرير على بعض التقييمات القطاعية، في حال توفرها، مثل تقييم البرنامج الوطني لتقييم التحصيل الدراسي PNEA الذي أنجز على المستوى الوطني سنة 2008، والتقييمات المنجزة على المستوى الدولي من طرف الهيئة الدولية لتقييم التحصيل التربوي IEA ما بين سنتي 2000 و2011 والاتجاهات في الدراسة الدولية للرياضيات والعلوم TIMSS والدراسات الدولية لقياس مدى تقدم القراءة في العالم PIRLS  والتي دأب المغرب على المشاركة فيها منذ سنة 1995. كما سيرتكز على تقييمات البحث المنجز سنة 2003 حول العلوم الحقة وفي سنة 2006 حول العلوم الإنسانية، والتي وفرت معطيات لتقييم المردودية الداخلية لنظام التربية والتكوين والبحث العلمي، وأيضا على أبحاث متعلقة بالإدماج المهني، أجريت بثلاث جامعات وأبحاث حول مسارات خريجي التكوين المهني، لتقييم المردودية الخارجية، فضلا عن معطيات بحوث أخرى. كما اعتمد هذا التقرير على معطيات القطاعات الوزارية التي قامت الهيئة الوطنية للتقييم بتجميعها، استنادا إلى القاعدة الطولية للتربية (BLE) وقاعدة المعطيات الديموغرافية و المنوغرافيات والدراسات المنجزة حول التربية والتكوين بالمغرب.
فيما يخص مصدر تقييم مكتسبات التلاميذ والأداء المدرسي، يتعين كذلك وحسب تقرير المجلس، "التوقف عند نتائج الدراسة المنجزة في إطار البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات" (PNEA) ،والتي أنجزت منذ سنة 2008؛ وهي دراسة همت أربعة مستويات )الرابعة والسادسة ابتدائي، والثانية والثالثة إعدادي(؛ وكان الهدف منها تقييم مكتسبات التلاميذ في الرياضيات والعلوم واللغتين العربية والفرنسية.هذه الدراسة شكلت قاعدة معطيات البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات الدراسية وشملت هذه القاعدة، كذلك، عدة أنواع من المعطيات، من قبيل الاختبارات، والخصوصيات الفردية )استمارة التلميذ(، وخصوصيات المدرسة )استمارة المدير(، وخصوصيات الأسرة )استمارة الآباء(واتسمت العينة المعتمدة فيها بكونها شموليةإذ ضمت 230 مؤسسة ابتدائية،و 212 مؤسسة إعدادية؛ وشملت ما مجموعه 6 900 تلميذ في الابتدائي، و 6 360 تلميذ في الإعدادي.
 ويذكر المجلس أنه و بالإضافة إلى تلك المصادر و"للتخفيف من نقص المعطيات الكيفية(النوعية) الضرورية لتقييم الجوانب التي لا يمكن تكميمها، تم إنجاز دراسات حول الحكامة واستطلاعا للرأي حول تصور مدرسي الابتدائي والثانوي لتطبيق الميثاق، وهي الدراسات التي أغنت هذا التقرير".
وللتذكير فإن العديد من الدراسات المعتمدة كمصادر في هذا التقرير التحليلي، أنجزت أوائل عهدنا بالميثاق وانتهت مدة صلاحيتها. كما أن بعض القواعد المعتمدة في هذا التقرير تستند على معطيات قديمة تم التوصل إليها منذ أزيد من عشر سنوات. وحتى الدراسات التي أنجزها مؤخرا المجلس الأعلى للتعليم في نسخته الحالية الجديدة، غير ملائمة ومتسرعة،  رغم المدة الطويلة و الكافية التي خصصت لإعداد رؤيته الإستراتيجية . وعلى سبيل المثال نذكر "الدراسة الاستطلاعیة لآراء المواطنین المساھمین عبر البوابة الإلكترونیة للمجلس الأعلى ،في النقاش المفتوح حول تشخیص حالة المنظومة التربویة واستشراف آفاق تطویرھا والتي اعتمدها  في إعداد "رؤيته لإصلاح المدرسة المغربية 2015-2030"..هذه الدراسة التي أنجزت سنة 2013 و نشرها المجلس في 114 صفحة سنة 2014  تحت عنوان :" تشخیص حالة المنظومة واستشراف آفاق تطویرھادراسة استطلاعیة لآراء المواطنات والمواطنین".
حيث طلب المجلس عبر موقعه في الشبكة العنكبوتية، من مختلف المواطنات و المواطنين والفاعلین و المھتمین بالشأن التربوي، تقدیم آرائھم وتصوراتھم وفق ثلاثة محاور أساسیة:
-         جرد أھم مكتسبات منظومة التربیة والتكوین المنجزة التي ینبغي تعزیزھا وتثمینھا؛
-         رصد الاختلالات التي تعاني منھا منظومة التربیة والتكوین؛ ·
-         تقدیم الاقتراحات والتصورات الكفیلة بتطویر المنظومة وتأھیلھا ·
وتبعا لذلك، تلقى المجلس 4000 مساھمة، وبعد مراجعتھا، تم الاحتفاظ ب 1700 مساھمة في مرحلة أولىوبعد تمحیص المساھمات في ضوء المنھجیة المؤطرة لھذه الاستشارة العمومیة، تم الاقتصار على 1027 مساھمة قابلة، حسب معدي الدراسة ، للاستثمار بشكل "علمي ومنھجي"، بعد توزیعھا على مجموعة من الفئات، سواء تلك المنتمیة للحقل التربوي، أو المھتمة بھ.
*  *  *
إننا نتحفظ على هذه الدراسة الاستطلاعية والتي اعتمدها المجلس في وضع تقريره التقييمي و إستراتيجيته الإصلاحية وكنا نفضل أن يقوم ببحث تشخيصي معمق، بدل الدراسة الاستطلاعية والتي لا تقبل أكاديميا و لا يمكن اعتماد نتائجها علميا، سوى باعتبارها خطوة استكشافية أولية وتمهيدية لبحوث أكثر عمقا. و يلجأ إليها الباحثون في العادة، كتمهيد لبلورة إشكالية البحث واستكشاف فرضياته ووضع أدواته .
 كما نتحفظ عليها لأننا نفضل البحوث الميدانية التي تتصل بشكل مباشر بأفراد العينة بواسطة المقابلات او الاستمارات وغيرها وللمجلس من الإمكانيات المادية والبشرية ما يمكنه من ذلك.
 ولقد أعفانا المسئولون عن هذه الدراسة الاستطلاعية ، من عناء النقد،حيث يذكرون تحت عنوان "حدود الدراسة وصعوباتھا" (صفحة 15 وما بعدها) ما يلي: "تتداخل في موضوع ھذه الدراسة الاستطلاعیة عدة عوامل، وتؤثر فیھ عدة متغیرات یصعب حصرھا والتحكم فیھافھي لا تدعي الإحاطة بالموضوع المستطلع من جمیع جوانبھ، والتمكن من بلورة رؤیة مكتملة حول الموضوع، بالنظر لكون العدید من الجوانب تم إغفالھا، ولم تنل حظھا1من النقاش والتحلیل والتشخیص، كالجوانب النفسیة والثقافیة و السوسیو-اقتصادیة والبیئیة، الداعمة والمحتضنة لمنظومة التربیة والتكوینوعلیھ، فقراءة النتائج و الخلاصات المتوصَّل إلیھا ضمن ھذه الدراسة تظل رھینة السیاق الذي أفرزھا وطبیعة العینة التي تجاوبت مع استشارة المجلس الأعلى للتربیة والتكوین والبحث العلمي".
وعلى العموم، یمكن إجمال الحدود والصعوبات،(حسب محرري هذه الدراسة)، فيما یلي:
"- ضیق الحیز الزمني المخصص لتلقي مساھمات المواطنین والمواطنات الممتد من شتنبر
2013 إلى غایة أكتوبر من نفس السنة ."وعن ضیق الحیز الزمني المخصص لإنجاز الدراسة،  نعتقد أن في المسألة  خطأ ما، نظرا للمدة الطويلة والكافية التي استغرقها المجلس لإعداد رؤيته".
- "صعوبة استكمال بعض المعلومات الواردة على البوابة الإلكترونیة للمجلس، من خلال
مراجعة أصحاب المساھمات"؛
- "آراء رجال التعلیم ووجھات نظر الفئات الأخرى المساھمة في الدراسة، لا یمكن اعتبارھا محایدة(رجال التعليم المساكين...) إلا في حدود معینة، فھم یعتبرون أنفسھم طرفا معنیا بالدراسة؛ ولھذا یحاولون من خلال إجاباتھم التأثیر في مجریات الدراسة، وإبراز الجوانب التي تھمھم وتحظى بانشغالاتھم، وتسلیط الضوء أكثر على الاختلالات التي تتسبب فیھا الفئات الأخرى، وإلقاء اللوم أكثر علیھا، وتحمیلھا مسؤولیة الإخفاق"؛
- كما يعترفون "بصعوبة التأكد من صفة المساھمین(ات) وطبیعة فئاتھم؛ حیث وردت بعض المشاركات دون تغییر ضمن مجموعة من الفئات، وأخرى تم إدراجھا مكررة في فئة معینة"؛
-"وبعشوائیة العینة بحیث لم یتم ضبط عملیة مشاركة الفئات، واشتقاق أفراد العینة طبقا لنظام حصص الفئات المساھمة، تبعا لما ھو موجود في المجتمع الأم، ولم یتم الأخذ بعین الاعتبار بعض معاییر العینة، كالجنس، والسن، والسلم، والانتماء السوسیو – مھني، والمستوى الدراسي والأكادیمي... وانتقاء أفراد من كل مجموعة بما یتناسب مع حجمھا الحقیقي في المجتمع الأم".

فكيف يمكن اعتماد مثل هذه الدراسات في عمل كبير وخطير ، يرهن مستقبل الأجيال ومصير الأمة لخمس عشرة سنة قادمة؟
كما كان من الضروري اللجوء إلى دراسات مقارنة، لمقارنة تقييم الوضعية عندنا مع تقييمات بعض الدول لأنظمتها التربوية ،لأن الأشياء التي لا يمكن مقارنتها مع ما للآخرين لا قيمة لها في حد ذاتها ،خاصة وأن أي تقييم لابد أن يستند على معايير الجودة المعروفة والمقبولة عالميا والتي لا يوليها هذا التقرير كبير عناية. فكان بالإمكان الاستئناس والاسترشاد المنهجي ببعض المنظمات الدولية التي تلجأ في هذا الإطار، إلى مقارنة أداء الأنظمة التربوية إقليميا و دوليا، من مثل :
-         الجمعية الدولية لتقييم الفعالية في مجال التعليم (LEA).
-         اليونسكو.
-         شبكة Eurydice للمعلومات حول الأنظمة وسياسات التعليم في أوربا (...)
                                              *  *  *
أما بخصوص المراجع المعتمدة و المثبتة في نهاية التقرير ( ص 168 وما بعدها) فلنا عليها جملة من الملاحظات ،نلخصها في النقاط التالية:
1-على 78 مرجعا معتمدا ،لا تمثل المراجع العربية سوى نسبة 10 في المائة وهي 8 مراجع فقط ، كلها مذكرات و وثائق صادرة إما عن المجلس نفسه وإما عن وزارتي التربية الوطنية والتعليم العالي.
2- كما نجد 30 مرجعا من أصل 78 (اي بنسبة 38 في المائة )، مراجع صادرة عن وزارة التربية الوطنية نفسها،أي عن الجهة التي تشكل موضوع السؤال والتقييم والتي من المفروض أن نحاسبها على مدى تطبيقها أم لا، لتوصيات الميثاق (شهد شاهد من أهلها).
3- كما تتضمن لائحة المراجع 13 مرجعا ،لهم أزيد من عشر سنوات وانتهت مدة صلاحيتهم ،على الأقل بالنسبة لهذا التقرير التقييمي.
4- و خمسة مقالات فقط ، نشرت لمؤلفين مغاربة "يفكرون" ويكتبون باللغة الفرنسية .
5- و15 مرجعا لباحثين ومؤلفين أجانب..
6- لا تتضمن اللائحة ولو مرجعا واحدا لباحثين وأكاديميين مغاربة يكتبون وينشرون باللغة العربية ،أي لم "يعثر" مؤلفو التقرير، على كتاب أو بحث جامعي واحد أو مقالة واحدة  حول التعليم في المغرب، صادرة بالعربية ، خلال طول الفترة التي يغطيها التقرير (حوالي 14 سنة) ..ألم ينتج المغرب بعد 60 سنة من الاستقلال ، مفكرين وباحثين وكفاءات، كان يمكن الاعتماد عليهم والاستشهاد بهم في هذا التقرير"غير المسبوق" ، لماذا هذا التهميش؟ إننا نطرح السؤال فحسب.

                                                                      
                                                                      
                                                                    د. محمد الدريج
                                                                أستاذ باحث في علوم التربية
                                                                      mderrij@hotmail.fr
                                                                                   
                                                                                  الرباط ،20/6/2015



تابع المزيد