إظهار الرسائل ذات التسميات المقرر الدراسي الثانية باك. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات المقرر الدراسي الثانية باك. إظهار كافة الرسائل
قراءة في نص مسرحي لسعد الله ونوس من مسرحية " ملحمة السراب "
لقد ارتبطت نشأة المسرح العربي بالتحولات
الاجتماعية والفكرية التي عرفتها المنطقة خلال أواسط القرن التاسع عشر، حيث ترسخت
في أذهان مفكري ومبدعي عصر النهضة ضرورة بناء الهوية القومية على أسس جديدة تمكن
من الخروج من واقع التخلف والاستبداد والتبعية الاستعمارية، ومن ذلك الاستفادة من
المنتوج الثقافي والإبداعي الغربي، وفي هذا الإطار عمل عدد من المسرحيين الرواد
مثل مارون النقاش وأبي خليل القباني على وضع اللبنات الأولى للمسرح العربي، مما
شكل أرضية لاستنبات تجارب فنية متميزة خلال القرن العشرين، يمكن أن نستحضر منها
تجارب كل من توفيق الحكيم وغسان كنفاني وعبد الكريم برشيد إضافة إلى تجربة الكاتب
سعد الله ونوس، وهو فنان سوري، عاش بين سنتي 1941 و 1997، ألف عددا مهما من
المسرحيات من بينها "سهرة مع أبي خليل القباني، ورحلة حنظلة من الغفلة إلى
اليقظة وأحلام شقية ومسرحية " ملحمة السراب " التي صدرت له سنة 1996 و
هي المسرحية التي اقتطف منها النص الذي ندرسه.
إن الملاحظة الأولية للنص تبين أنه نص يتأسس
على الحوار والإرشادات المسرحية، كما تمكننا قراءة بدايته ونهايته من افتراض أن
أحداثه تتمحور حول جدل أخوين بحضور أمهما العجوز بخصوص إمكانية بيع أرض مشتركة.
وبناء على ذلك فإننا نتساءل عن موضوع الحوار وتفاصيل الحدث المسرحي الذي يعبر عنه،
وعن خصائص النص الفنية والأسلوبية.
نستطيع من خلال قراءة النص المتأنية تتبع
أحداثه التي يمكن أن نصنفها إلى ثلاثة مشاهد:
ـ المشهد الأول: اجتماع أفراد الأسرة في
بيتهم الريفي، وتصريح مروان العائد من العاصمة بحاجته الماسة إلى المال، الأمر
الذي أثار استغراب أخيه أمين.
المشهد الثاني: اقتراح مروان بيع الأرض التي
تشترك الأسرة في ملكيتها ليدبر كل واحد أموره بالنصيب الذي سيحصل عليه.
المشهد الثالث: تأزم العلاقة بين الأخوين
بسبب رفض أمين المطلق لفكرة بيع الأرض، وإصرار مروان على أخذ نصيبه.
هكذا يتضح أن الحدث المسرحي يتمحور حول
اختلاف الأخوين مروان وأمين حول قيمة الأرض؛ فمروان ينظر إليها باعتبار قيمتها
المادية وما ستعود به عليه من تحسين أوضاعه الاجتماعية، أما أمين فهو يعتقد أن
الأرض لا يمكن أن تقدر بثمن مهما ارتفع، ولعل ذلك راجع إلى المقومات الشخصية
للأخوين، فمروان يمثل شخصية الموظف المتأثر بالحياة المدينية، والذي يعاني من
ضغوطها المادية، بينما يمثل أمين شخصية الفلاح المزارع المحافظ على أصالته، القنوع
بما تيسر من الرزق.
وإذا كانت هذه المشاهد المسرحية قد جرت في
فضاء مكاني هو بيت الأسرة الريفي، فإن هذا
المكان يشكل فضاء مناسبا لصراع القيم بين الأخوين، ففي هذا البيت تربيا
وترعرعا قبل أن تفرق بينهما السبل والمواقف. كما ساهمت المشيرات الدالة على
الزمن في التعبير عن هذا الصراع؛ فالزمن
بالنسبة لمروان حاضر مليء بالمتغيرات والتحولات التي تفرض تغييرا في السلوك
والمواقف لمجابهة تحديات المستقبل ( في أيامنا هذه..، لقد تغيرت الدنيا، سيكون
بوسع كل منا أن يسوي وضعه، وأن يبدأ مع الحياة بداية جديدة..)، أما بالنسبة لأمين
فالحاضر مرتبط بالماضي الذي يؤصل به موقفه ( لا تنس يا أخي المتعلم أن هذه الأرض
هي التي ربتك، وأنفقت عليك حتى تعلمت وتوظفت وأدرت لها ظهرك ).
وقد ساهم الحوار في تمكين الشخصيات من
التعبير عن مواقفها بشكل ساهم في تطوير الصراع الدرامي وتعميقه، وهو صراع يعكس
تفاوت وجهات النظر بين الفئات الاجتماعية المتأثرة بالتغييرات الاقتصادية والفئات
المحافظة المتعلقة بأصولها وبأرضها، وقد انعكس هذا الصراع على لغة النص التي اكتست
طابعا حجاجيا، إذ استدل كل طرف على سداد موقفه باستعمال أساليب حجاجية ولغوية ،
فأمين استعمل عدة أساليب منها: التعريف (الأرض هي بالنسبة لي رفيقة وعشيرة ورزق
وحياة في الأبناء بعد الممات )، و التحذير (إياك أن تزدري الأرض أمام فلاح )، أما
مروان فقد وظف أسلوب المقارنة " إن بسطة صغيرة على رصيف شارع يمكن أن تدر
أضعاف ما يكسبه المزارع من محصوله)، وأسلوب السخرية ( في أيامنا هذه لم تعد للأرض
قيمة إلا في الأشعار والأغاني).
وإذا نظرنا إلى مكون الإرشادات التي تتخلل
الحوار المسرحي، وهي من السمات المميزة لهذا النمط الإبداعي، فإننا نجد أنها ترد
في النص لتقديم معلومات عن الفضاء الذي يدور فيه الحوار، والشخصيات المتحاورة
وصفات بعضها والعلاقات القائمة بينها (بيت
ريفي، أمين التبان وأخوه مروان ومعهما أمهما العجوز مريم الزرقاء)، كما نجدها تقدم
معلومة عن أسلوب تلفظ الشخصية بخطابها الحواري ( بسخرية )، ولا يخفى ما لهذه
الإرشادات من أدوار متعددة تساهم في تخييل المشهد لدى القارئ، وتيسير إخراجه
وتحويله من نص مكتوب إلى عرض مسرحي على الخشبة.
نستخلص مما سبق أن هذه المشاهد المسرحية
المقتطفة من مسرحية " ملحمة السراب " لسعد الله ونوس قد عكست، بأسلوب
فني، قضية من القضايا الاجتماعية المتمثلة في وصول رياح التغيير والعولمة إلى
البادية بعد اكتساحها لعالم الحاضرة، و ما نتج عن ذلك من صراع قيمي بين الأفراد
والجماعات؛ بين متشبث بالأصالة والأرض، ومنفتح على قيم العصر وضغوط الرأسمال
المادي ... وقد ظهر ذلك جليا في الحوار الذي دار بين مروان المتمدن وأمين الريفي،
والذي أدى إلى ظهور ملامح الخلاف الحاد بين أفراد الأسرة الواحدة.
وعموما يمكن القول إن الكاتب المسرحي سعد
الله ونوس قد توفق إلى حد بعيد في استثمار ما يوفره الفن المسرحي من مكونات وخصائص
تعبيرية وفنية لتناول قضية اجتماعية وفكرية من قضايا عالمنا الحديث.
غربة الشاعر الحديث في الكون والمدينة ـ ظاهرة الشعر الحديث
الموضوع:
ورد في مؤلف " ظاهرة الشعر الحديث " لأحمد المعداوي المجاطي ما يأتي:
" ولقد قادتنا دراستنا للمضامين الشعرية الحديثة إلى تقسيمها إلى تجربتين اثنتين: تجربة الغربة والضياع، وتجربة الموت والحياة ... ولعل أقرب هذه التجارب إلى تصوير الدمار الذي عَمَّ الأشياء والأنفس عقب النكبة، هي تجربة الضياع والغربة ..."
ورد في مؤلف " ظاهرة الشعر الحديث " لأحمد المعداوي المجاطي ما يأتي:
" ولقد قادتنا دراستنا للمضامين الشعرية الحديثة إلى تقسيمها إلى تجربتين اثنتين: تجربة الغربة والضياع، وتجربة الموت والحياة ... ولعل أقرب هذه التجارب إلى تصوير الدمار الذي عَمَّ الأشياء والأنفس عقب النكبة، هي تجربة الضياع والغربة ..."
أحمد المعداوي المجاطي، ظاهرة الشعر الحديث
شركة النشر والتوزيع المدارس، الطبعة الثانية 2007، الدار البيضاء، ص 63 ومابعدها.
انطلق من هذه القولة، ومن قراءتك المؤلف النقدي، ثم اكتب موضوعا متكاملا تنجز فيه ما يأتي:
ـ ربط القولة بسياقها داخل المؤلف.
ـ رصد ألوان الغربة في الكون والمدينة في الشعر العربي الحديث
ـ بيان المنهج الذي اعتمده الكاتب في دراسة هذا الموضوع.
ـ إبداء الرأي الشخصي في الموضوع، مع التعليل.
الإنجاز:
ـ ربط القولة بسياقها داخل المؤلف.
ـ رصد ألوان الغربة في الكون والمدينة في الشعر العربي الحديث
ـ بيان المنهج الذي اعتمده الكاتب في دراسة هذا الموضوع.
ـ إبداء الرأي الشخصي في الموضوع، مع التعليل.
الإنجاز:
عرف الشعر العربي تحولات نوعية في القرن العشرين لم يعرف لها مثيلا طيلة مساره التاريخي الطويل، ذلك أن تغييرات كبيرة قد مست مضمون وشكل القصيدة العربية، و هذه التحولات هي التي عمل الناقد أحمد المجاطي على تتبعها في دراسته النقدية: " ظاهرة الشعر الحديث " حيث ميز في هذا الصدد بين حركتين تجديديتين: حركة الشعر الذاتي، ثم حركة الشعر الحديث التي شكلت ظاهرة إبداعية ثورية تمردت على الأشكال والمضامين الشعرية القديمة. وإذا كان هذا الناقد المغربي قد استخلص من دراسته للشعر العربي الحديث أن هذا النمط الشعري قد جنح عقب نكبة فلسطين إلى تصوير حالة الاغتراب التي هيمنت على نفسية الإنسان العربي، فقد عمل على دراسة هذه التجربة الشعرية وتتبع مظاهرها وألوانها، فما هي إذن أهم ألوان الغربة؟ وما المنهج المعتمد في عرض هذا الموضوع؟
لقد وردت القولة ـ موضوع التحليل ضمن التمهيد الذي وضعه الناقد للفصل الثاني من المؤلف " وهو فصل خصصه لتجربة الغربة والضياع التي غذت المضامين الشعرية الحديثة بفعل تفاعلها بواقع اجتماعي وسياسي مأزوم تحكمه مشاعر الهزيمة ومفارقات الواقع الإنساني وكانت أقرب إلى رسم حالة الانهيار النفسي المهيمن على الشعوب العربية عقب نكبة فلسطين، وإذا كان المجاطي قد أبرز في مؤلفه ألوانا من الغربة حفلت بها دواوين الشعر العربي الحديث فإننا سنتوقف عند لونين أساسيين منها هما الغربة في الكون والغربة في المدينة.
فبالنظر للون الأول فقد رصد الشاعر في دواوين صلاح عبد الصبور أدونيس ويوسف الخال وبدر شاكر السياب وغيرهم شعور شعراء الحداثة بالوحدة والتفرد في كون لا يحكمه المنطق والعقل، وقد كان شعورهم هذا نتاجا لإحساسهم بالذل والمهانة وضياع المكانة التاريخية عقب نكبة فلسطين، فأدونيس مثلا اعتبر الكون متاها يتغلغل الشاعر في أرضه كالمسمار بلا صوت ولا إرادة.
أما اللون الثاني فيتعلق بإحساس الشاعر الحديث بالغربة في المدينة فالقارئ لديوان " مدينة بلا قلب " مثلا لأحمد عبد المعطي حجازي، يتأكد من المرارة التي يشعر بها الشاعر وهو يصور ما عرفته المدينة من تحولات على مستوى هندستها وواقعها، والعلاقات الاجتماعية القائمة فيها، فهي مدينة غلب عليها الطابع المادي تراجعت فيها القيم الإنسانية النبيلة، فهي مدينة بلا قلب ولا حب، تقسو على الأحياء والأموات وتشغل الناس عن أنفسهم.
وقد اعتمد المجاطي في تناوله لهذا الموضوع مقاربة تكاملية، استفادت من مبادئ وأسس مناهج متعددة من بينها المنهج الموضوعاتي والنفسي فاعتماد المنهج الموضوعاتي يبدو واضحا في تقسيم الناقد لموضوع الغربة إلى مظاهر وألوان كالغربة في الكون وفي المدينة، وفي الحب وفي الكلمة، كما يتجلى في تمييز تجربة الغربة والضياع عن تجربة الحياة والموت، أما المنهج النفسي فيتمثل في ربط الناقد تبلور تجربة الغربة والضياع بالصدمة النفسية والحالة الشعورية المترتبة عن نكبة 1948
يتبين من كل ما سبق أن الناقد أحمد المجاطي قد استطاع الإحاطة بموضوع الغربة في الشعر الحديث، والتعمق في عواملها والتفصيل في مظاهرها وألوانها، وهو أمر يؤكد القيمة النقدية لمؤلف ظاهرة الشعر الحديث الذي شكل علامة بارزة ورائدة في النقد العربي حيث تمكن من التحليل العميق لمختلف مظاهر التحول الذي عرفه الشعر مع حركة الشعر الحديث.
فبالنظر للون الأول فقد رصد الشاعر في دواوين صلاح عبد الصبور أدونيس ويوسف الخال وبدر شاكر السياب وغيرهم شعور شعراء الحداثة بالوحدة والتفرد في كون لا يحكمه المنطق والعقل، وقد كان شعورهم هذا نتاجا لإحساسهم بالذل والمهانة وضياع المكانة التاريخية عقب نكبة فلسطين، فأدونيس مثلا اعتبر الكون متاها يتغلغل الشاعر في أرضه كالمسمار بلا صوت ولا إرادة.
أما اللون الثاني فيتعلق بإحساس الشاعر الحديث بالغربة في المدينة فالقارئ لديوان " مدينة بلا قلب " مثلا لأحمد عبد المعطي حجازي، يتأكد من المرارة التي يشعر بها الشاعر وهو يصور ما عرفته المدينة من تحولات على مستوى هندستها وواقعها، والعلاقات الاجتماعية القائمة فيها، فهي مدينة غلب عليها الطابع المادي تراجعت فيها القيم الإنسانية النبيلة، فهي مدينة بلا قلب ولا حب، تقسو على الأحياء والأموات وتشغل الناس عن أنفسهم.
وقد اعتمد المجاطي في تناوله لهذا الموضوع مقاربة تكاملية، استفادت من مبادئ وأسس مناهج متعددة من بينها المنهج الموضوعاتي والنفسي فاعتماد المنهج الموضوعاتي يبدو واضحا في تقسيم الناقد لموضوع الغربة إلى مظاهر وألوان كالغربة في الكون وفي المدينة، وفي الحب وفي الكلمة، كما يتجلى في تمييز تجربة الغربة والضياع عن تجربة الحياة والموت، أما المنهج النفسي فيتمثل في ربط الناقد تبلور تجربة الغربة والضياع بالصدمة النفسية والحالة الشعورية المترتبة عن نكبة 1948
يتبين من كل ما سبق أن الناقد أحمد المجاطي قد استطاع الإحاطة بموضوع الغربة في الشعر الحديث، والتعمق في عواملها والتفصيل في مظاهرها وألوانها، وهو أمر يؤكد القيمة النقدية لمؤلف ظاهرة الشعر الحديث الذي شكل علامة بارزة ورائدة في النقد العربي حيث تمكن من التحليل العميق لمختلف مظاهر التحول الذي عرفه الشعر مع حركة الشعر الحديث.
ملخص الفصل الثالث من مؤلف ظاهرة الشعر الحديث ـ ذ. مرزاق
الأستاذ رشيد مرزاق: تجربة الحياة والموت
بدأ أحمد المجاطي هذا الفصل بالتأكيد على أن تطور الأوضاع العربية بعد نكبة فلسطين
سنة 48 أنتج تجربة شعرية تراوحت بين اليأس الذي أثمر تجربة الغربة والضياع،
وتجاوزها ليثمر تجربة الموت والحياة التي راهنت على توليد الأمل من عمق المعاناة،
ويرى المجاطي أن التجربتين لم يكونا مستقلتين عن بعضهما بل كانتا مرتبطتين
تتعاقبان وتتداخلان ويصعب الفصل بينهما. بعد تجربة الغربة والضياع آمن الشاعر
الحديث بأن الموات لا يكون موتا إلى الأبد، بل هو معبر يمر منه إلى الحياة، وهو
وسيلة للاغتسال والتطهر من دنس الماضي وأدرانه، وهو المحفز للثورة على رواسبها في
الحاضر. إن جدلية الموت والحياة من شأنها أن تخلق الشاعر الثوري الذي لا يربط
ثورته بثورة معينة، في مكان معين، أو زمان معين، بل يربطها بالثورة في كل زمان و
مكان، أي أنه مرتبط بروح الثورة التي تحل في الحياة فتنتصر على الموت، وتحل في
الأشياء فتمنحها الحياة. إن تجربة الغربة والضياع كانت في نظر المجاطي مرتبطة
بالواقع المتأزم وانعكاساته بعد النكبة، أما تجربة الموت والحياة فقد كانت مشدودة
إلى المستقبل بقدر ما هي مشدودة إلى الواقع، إنها معاناة الواقع الذي يتضمن معنى
الموت، واستشراف للمستقبل الذي يحمل معنى البعث والتجدد. ولذلك فإن تجربة الموت
والحياة تعد تجربة فريدة في تاريخ الشعر العربي، لم تسبقها إلا فكرة تناسخ الأرواح
لدى شعراء المهجر الشمالي، غير أنها لم تكن تؤلف تجربة متماسكة، بسب فقدانها للصلة
بالواقع الحضاري للأمة حينما أغرق روادها في الخيال والتشاؤم والهروب إلى الطبيعة.
إن تجربة الموت والحياة في الشعر الحديث أبعد عن مسألة تناسخ الأرواح وأقرب إلى فكرة الفداء عند المسيحيين، والشاعر فيها أشبه بالبطل أو النبي الذي يعرف أسرار الكلمة ويقدر على حملها وسكب إكسيرها المقدس في قلوب الناس وضمائرهم ليحقق البعث والتجدد واليقظة. ولذلك لجأ الشاعر الرموز والأساطير لتصوير رؤيته ومخاطبة الوجدان العربي، وأثمر ذلك منهجا أسطوريا يقدم به الشاعر مشاعره ومجمل تجربته وأفكاره في صور رمزية للتواصل مع اللاشعور والرواسب الاعتقادية في الذهن العربي، كل ذلك من أجل التعبير عن معاني الأمل والتجدد وانبعاث الأمة من أنقاض اليأس والخراب، وانتصار الحياة على الموت. وفي هذا السياق خص المجاطي بالدراسة أربعة من الشعراء هم في رأيه خير مثل تجربة الموت والحياة في الشعر الحديث، وهم أدونيس وخليل حاوي والسياب والبياتي.
إن تجربة الموت والحياة في الشعر الحديث أبعد عن مسألة تناسخ الأرواح وأقرب إلى فكرة الفداء عند المسيحيين، والشاعر فيها أشبه بالبطل أو النبي الذي يعرف أسرار الكلمة ويقدر على حملها وسكب إكسيرها المقدس في قلوب الناس وضمائرهم ليحقق البعث والتجدد واليقظة. ولذلك لجأ الشاعر الرموز والأساطير لتصوير رؤيته ومخاطبة الوجدان العربي، وأثمر ذلك منهجا أسطوريا يقدم به الشاعر مشاعره ومجمل تجربته وأفكاره في صور رمزية للتواصل مع اللاشعور والرواسب الاعتقادية في الذهن العربي، كل ذلك من أجل التعبير عن معاني الأمل والتجدد وانبعاث الأمة من أنقاض اليأس والخراب، وانتصار الحياة على الموت. وفي هذا السياق خص المجاطي بالدراسة أربعة من الشعراء هم في رأيه خير مثل تجربة الموت والحياة في الشعر الحديث، وهم أدونيس وخليل حاوي والسياب والبياتي.
علي أحمد سعيد "أدونيس" : التحول عبر الحياة والموت
إن ما يهم المجاطي من دراسته لشعر أدونيس هو الشعر الذي التقت فيه ذات الشاعر بذات أمته العربية، فأصبح في موتها وفي بعثها موت الشاعر وبعثه، وقد توزع هذه التجربة ديواناه الأخيران، ديوان "كتاب التحولات والهجرة في أقاليم الليل والنهار" وديوان "المسرح والمرايا". لقد رأى المجاطي أن معاني الموت والحياة في تجربة أدونيس سارت في اتجاهين متكاملين، ينطلق الاتجاه الأول من الحيرة والتساؤل والبحث عن وسيلة للبعث، لكنه انتهى إلى اكتشاف الانهيار الكامل الذي يسود الواقع، وينطلق الاتجاه الثاني من اكتشاف مفهوم التحول بوصفه وسيلة لدفع الواقع العربي نحو البعث والتجدد.
إن لحظة الموت والحياة عند أدونيس هي اللحظة التي يحدث فيها التحول، حيث يموت وجود وواقع قائم بذاته، ويحيا وجود آخر وواقع آخر ليحل محله، فالإنسان في نظره جدل دائم بين الحياة والموت. ويرى أحمد المجاطي أن تجربة الموت والحياة عند أدونيس تستمد قيمتها من هذا الاتجاه الذي يعتمد على مفهوم التحول، وقد توقف الناقد على قصيدتين من شعر أدونيس، تمثل القصيدة الأولى مثالا ناجحا وموفقا وهي قصيدة "تيمور ومهيار" من ديوان "المسرح والمرايا"، وفيها يتحدى مهيار وهو رمز الشعب كل أشكال القهر والقمع والاضطهاد والسجن والقتل والتحريق وكل مل يمارسه عليه تيمور رمز التسلط والاستعباد والظلم لينفيه ويعدمه من الوجود لكنه يظل صامدا ويعود من السجن ومن الموت والحرق ومن الرماد ينبعث أكثر قوة فيبعث الأمة كلها. ويجد المجاطي أن نجاح فكرة التحول في القصيدة راجع إلى عاملين هما استخدام الشاعر لأسطورة الفينيق الذي حرق نفسه لينبعث الربيع من رماده، وأسطورة العنقاء التي تموت ويلتهب رمادها لتحيا من جديد، والعامل الآخر هو المضمون الرمزي للقصيدة التي تشير إلى قوة الإرادة، إرادة الحياة التي تستيقظ في الشعب ولا يستطيع إيقافها أي سلطان حتى ولو كان الموت نفسه. أما القصيدة الثانية التي توقف عندها الناقد فهي قصيدة "الأسماء" التي هي مثال للأعمال الشعرية التي أخفق فيها الشاعر في تحقيق الهدف، لأن التحول فيها كان فجائيا، اعتمد فيه الشاعر على تفاؤل وهمي ليس له مبررات فكرية أو فنية تقنعنا بإمكانية انتصار الحياة على الموت كما رأينا في قصيدة "تيمور ومهيار".
وخلص المجاطي إلى أن شعر أدونيس حينما تراجع عن التمسك بالمنهج الأسطوري فقد ارتباطه بحركة التاريخ العربي، وأمعن في تخطيها وتجاوزها طمعا في إقامة حوار غريب مع ومن لم يكن قد جاء بعد. وهذا ما يراه المجاطي قد ميز أدونيس عن غيره من الشعراء الذين ارتبطوا بحركة التاريخ وسايروا كل امتداداتها مثل خليل حاوي والسياب والبياتي.
خليل حاوي: معاناة الحياة والموت
رفض خليل حاوي مبدأ التحول وأقام مكانه مبدأ المعاناة، وهذا ما استنتجه المجاطي من دواوينه الثلاثة التي تنم عن معاناة حقيقة للخراب وللدمار والجفاف والعقم، وللبعث نفسه. ولذلك كانت لفظة المعاناة حاضرة في مقدمات قصائده وفي شعره أيضا. وانتهى المجاطي من خلال تتبعه للدواوين خليل حاوي أنه انتهى إلى اليأس من خلال معاناة فريدة للموت في ديوانه الأول الموسوم بــ" نهر الرماد" حيث يرسم الشاعر صورة الواقع الذي تفسخت فيه الأشياء والقيم، وأصبح رخوا عقيما، كذلك عبر معاناة التحول في ديوان "الناي والريح"، وتنتهي المعاناة بالخيبة واليأس من البعث في ديوان "بيادر الجوع".
ويعتبر المجاطي أن للمعاناة دخل في التوافق بين إيقاع الأمل واليأس الذي يسود كل ديوان من دواوين خليل حاوي، وبين طبيعة الحقبة التاريخية التي كتب فيها، فقد كتب ديوان "نهر الرماد" بين 1953 و1956، وهي فترة مظلمة في التاريخ العربي، لم يخفف من ظلمتها إلا الاتجاه الذي سارت فيه الثورة المصرية، وهو ما برر للمجاطي نغمة أمل تسود القصيدتين الأخيرتين من الديوان. أما ديوان "الناي والريح" فقد كتب بين 1956 و 1958، وهى أزهى فترة في التاريخ العربي بعد نكبة فلسطين. أما الديوان الأخير "بيادر الجوع" فقد كتب بعد انفراط عقد الوحدة بين مصر وسوريا، أي في الفترة المظلمة التي سبقت النكسة ومهدت لها.
وخلص المجاطي إلى أن جزء كبيرا من عظمة شعر خليل حاوي في تجربة الموت والحياة في مجموعاته الشعرية الثلاث تعود بالأساس إلى توافقها مع التحولات التاريخية والسياسية في واقع الأمة العربية.
بدر شاكر السياب: طبيعة الفداء في الموت
رغم الحضور القوي لمعاني الموت والحياة في شعر السياب، إلا أنها لم تكن مطَّردة على النسق الذي رأيناه في أعمال خليل حاوي، ويرى المجاطي أن ما يميز تجربة بدر شاكر السياب في معاناة الموت والبعث هو كونها تأخذ طبيعة الفداء، الفداء الذي يكون خلاصا بالموت، ويحول الموت إلى انتصار. وتوصل المجاطي إلى أن طبيعة الفداء في الموت داخل أشعار السياب تزداد عمقا وشمولية حين تأخذ صيغتها الأسطورية، ويعتقد الناقد أن السياب نجح في استخدام نموذج أسطوري أعطى للموت معنى الفداء، وهو نموذج المسيح في قصيدة "المسيح بعد الصلب" التي تجسد قوة الحياة بعد الموت، وفيها وحد الشاعر بين بعث المسيح بعد صلبه وبعث الأمة التي رمز لها الشاعر بقريته "جيكور".
ويعود المجاطي ليبحث عن جذور فكرة الموت في حياة السياب فيجدها تعود إلى مراحل أولى من حياته، حينما كان يراسل شاعرا عراقيا يكبره سنا وتجربة هو "خالد الشواف". ووجد المجاطي أن السياب وصف في إحدى الرسائل حلما رآه، وكان الحلم تجليا واضحا لصراع الموت والحياة في نفس السياب منذ مرحلة مبكرة من شبابه، ويلاحظ المجاطي أن نص الرسالة يتشابه في مضمونه مع عدد من القصائد التي تمثل ذروة نضج تجربة السياب الشعرية مثل نص "أنشودة المطر"، ويختم الكاتب حديثه عن السياب بكون إدراكه لجدلية الموت والحياة وتحويلها إلى فداء، هو إدراك قديم قد تكون له علاقة بمزاج الشاعر أو بتركيبة عقله الباطن، ولكن الأهم أنه أحسن توظيفه والاستفادة منه في التعبير عن معاني الموت والحياة في الواقع الحضاري للأمة.
عبد الوهاب البياتي: جدلية الأمل واليأس
بدأ المجاطي حديثه بانتقاد موقف الدكتور عز الدين إسماعيل من شعر البياتي، وهو الموقف الذي جاء في دراسة أنجزها عن ديوان "النار والكلمات"، حيث اعتقد أن صور الأمل عند الشاعر البياتي صور تعميمة، وأن الشاعر لم يقم بتحديدها في إطار فكري، ووقفت الصورة في مجرد الأمل في مستقبل باسم. ويمكن في نظر المجاطي أن يكون هذا الموقف صحيحا إذا نظرنا إلى شعر المجاطي نظرة جزئية، لا تتجاوز ديوانا واحدا كما فعل عز الدين إسماعيل، وهذا موقف خاطئ بالتأكيد إذا نظرنا إلى شعر الرجل نظرة كلية، وخاطئ أكثر إذا أخرجنا تجربة البياتي من إطارها الفكري الشامل المتمثل في جدلية الموت والحياة التي يرى عبد الوهاب البياتي نفسه أن من شأنها " أن تخلق الشاعر الثوري الذي لا يربط ثورته بثورة معينة في مكان معين، بل يربطها بالثورة في كل زمان ومكان، أي يربطها بروح الثورة التي تحل في الحياة فتنتصر على الموت، وتحل في الأشياء فتمنحها الحياة." ومن هنا وجد المجاطي أن تجربة البياتي لم تكن أملا فقط، بل كانت مرتبطة ذاتيا واجتماعيا بالثورة العربية، وهي ثورة تأرجحت بين الأمل وبين اليأس الذي يطغى أحيانا على هذا الأمل، والعلاقة بينهما علاقة صراع قومه موت الذات وموت الحضارة وبعثهما، وهي علاقة اعتبرها المجاطي صالحة لترسم إطارا فكريا تقريبيا لجدلية الأمل واليأس في شعر البياتي، على العكس مما ذهب إليه عز الدين اسماعيل.
ورسم المجاطي في تتبعه لشعر عبد الوهاب البياتي ثلاثة منحنيات:
المنحنى الأول: منحنى الأمل
وفيه انتصار ساحق للحياة على الموت، وتمثله الأعمال الشعرية السابقة على ديوان "الذي يأتي ولا يأتي"، وخصوصا ديوان "كلمات لاتموت"، وديوان "النار والكلمات"، وديوان "سِفر الفقر والثورة". وفي هذا المنحنى يكون الموت هو الخطوة الأخيرة في نضال الشاعر ورفاقه، وهو الخطوة التي تقود إلى الحياة الحق، لأن الزمن الذي يناضلونه ويناضلون فيه كان زمانا داعرا..كان بلا ضفاف..شاهد عصر ساده الظلام، والموت الذي يتوج حياة المناضل هو باب التجدد والبعث. إن الوعي المتجدد والنضال المستمر والزمن الذي يتبدد بعد، كلها عوامل تضافرت لدفع طرفي الجدلية في اتجاه انتصار الحياة.
المنحنى الثانى: منحنى الانتظار
يمثل هذا المنحنى ديوان "الذي يأتي ولا يأتي"، والصفة البارزة لهذا الديوان هي تشتيت المتناقضات بنثر الواقع والأشياء والمقولات والرموز بينها، لإعاقة أية حركة جدلية تعيد إلى الذهن إمكانية انتصار الحياة على الموت انتصارا ساحقا. ويجد المجاطى في رمزية عمر الخيام مثالا للتناقض في هذا العمل، حينما يظهر مرة يموت ومرة يصارع الثيران، ومرة يضاجع النساء، ويبيع في المطار ويعلم الصبيان ويصيح في المئذنة ويدق الناقوس...وكل هذا التشتت يجسد إيقاع الانتظار. ويقسم الناقد هذا الديوان إلى أربعة خيوط، خط الحياة، وخط الموت، وخط السؤال، وخط الرجاء.
1- خط الحياة
يستمد هذا الخط توهجه من طبيعة الخيام المحكوم عليه بالحياة، ومن طبيعته الثورية، وقدرته النضالية، وتحمله للعذاب المقيم، ومن التفات الشاعر إلى جدلية الموت والحياة التي رمز لها بالعملة القديمة.
2-
خط الموت
لم يقف الموت في هذا الخط عند البشر المحكوم عليهم بالموت، بل تجاوزه إلى موت الأسطورة، والتي أراد من خلالها الشاعر أن يقتل المنهج الأسطوري الذي أفاد منه الشعر الحديث، ليؤكد أن الموت ليس سوى عبور إلى الحياة الحق. وذلك من خلال:
موت الوسط الأسطوري:
نيسابور التي تحوم حولها النسور، وإرم ذات العماد التي تشوى حية في النار، وبابل التي تقيم تحت قبة الليل بلا زاد..
موت الأبطال الأسطوريين:
جعل البياتي أبطال الأسطورة فريسة سهلة للموت، فيموت تموز موتا أبديا، وتقتل عشتروت ويمثل بجسدها الجميل، وتموت كثرين، وتموت عائشة، ويموت شهريار، ويموت السندباد، ويموت الخيام...
وبموت الأسطورة بوسطها وأبطالها تموت الثورة ويخفف الموت من توهج الحياة الذي رأيناه في الخط الأول.
3- خط الاستفهام
ويتجسد هذا الخط في خمسة أسئلة محيرة، ألأول عن موت الوسط الأسطوري، والثاني
عن موت كثرين وعائشة، والثالث عن موت شهريار، والرابع عن كل هذه الأمور، والأخير
عن عظام الخيام التي مازالت تنتظر السقيا، وهذا الخط كان مجاورا لخط الموت.
4- خط الرجاء
يكرس هذا الخط انتقال الفعل من ساحة النضال إلى ساحة الحلم، وقد نجح الحلم في إقامة جو من التوقع والانتظارشبيه بالجو الذي يسبق المعجزات، ولكنه لم يفلح في جمع شتات الصورة المتناقضة التي يقدمها ديوان "الذي يأتي ولا يأتي".
المنحنى الثالث: منحنى الشك
في ديوان "الموت في الحياة" تظهر مرة أخرى قدرة الشاعر على كشف الواقع، حيث يكشف هذه المرة قيم الحياة نفسها، ويستدل على ما تنطوي عليه من زيف، ومن نفي لمقومات الحياة الحق. وليصل إلى هذه الحقيقة كان لابد أن يكشف الشاعر زيف النضال العربي، لأنه لا موت بدون نضال، كما أنه لا بعث بدون موت، فإن حصل بعث دون نضال ودون موت، فهو بعث مزيف، وهو الموت في الحياة كما سماه الشاعر.
ويؤكد المجاطي في ختام حديثه عن تجربة عبد الوهاب البياتي، أن قدرته على كشف الواقع هي مصدر ما في شعره من اهتمام بالموت، أما ما فيه من اهتمام بالحياة، فمصدره الإيمان بالثورة. وهذا الصراع بين الموت والحياة هو ما يقيم جدلية بين صور الأمل واليأس تصلح أن تكون إطارا فكريا افتقده عز الدين إسماعيل في دراسته لشعر البياتي.
خاتمة الفصل
إن الصراع بين الموت والحياة في تجربة الشاعر الحديث يعني في آخر الأمر الصراع بين الحرية والحب والتجدد الذي يجعل الثورة وسيلته، وبين الحقد والاستعباد والنفي من المكان ومن التاريخ. وقد أثبت المجاطي قدرة الشاعر الحديث على رصد هذا الصراع وتصويره بأمانة وصدق، وأثبت بصفة خاصة قدرته على استشراف المستقبل والتوحيد بين الحس الفردي والحس الجماعي، وقد ربط المجاطي هذه التجربة بحركة التاريخ خلال العشرين سنة بين النكبة والنكسة ليثبت أصالة التجربة وارتباطها بواقع الأمة وتحولاته. ويشير في الختام أن التجربة قد أعاقت تواصلها مع الجماهير عدة عوامل أهمها:
العامل الديني القومي: والمتمثل خوف الأوساط المحافظة من أن يكون هذا التيار الشعري محاولة لتشويه الشخصية الدينية والقومية.
العامل الثقافي: والمتمثل في استمرار الذوق التقليدي المحافظ الرافض لكل المحاولات التجديدية.
العامل السياسي: ومصدره خوف الحكام من المضامين الثورية للشعر الحديث، وهو ما جعلهم يقمعون الشعراء ويسجنونهم أو ينفونهم ويصادرون أعمالهم.
ويبقى أهم عامل في نظر المجاطي هو حداثة التقنيات والوسائل الفنية التي حالت دون تمثل الجماهير للمضامين الثورية في هذا الشعر.





