1ـ يمكن اعتبار كتاب " الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة " الذي ألفه ابن بسام الشنتريني ( 542هـ)أحد أهم الكتب التراثية التي أرخت للتجربة الأدبية الأندلسية في فترة من فتراتها الزاهية، حيث تضمن المؤلف مختارات من أروع ما أبدعه أدباء و شعراء القرن الخامس الهجري أمثال ابن دراج القسطلي و ابن شهيد و ابن زيدون و المعتمد بن عباد... الذين اعتبرهم ابن بسام " رؤساء خطابة، و رؤوس شعر و كتابة، تدفقوا فأنسوا البحور، و أشرقوا فباروا الشموس و البدور، و ذهب كلامهم بين رقة الهواء و جزالة الصخرة الصماء " إننا ونحن نطالع هذا الكلام المسجوع البديع ليتبين لنا مدى اعتزازه و افتخاره بأدباء الجزيرة الذين فاقوا المشارقة أدبية و شاعرية، و هذا ما أعلنه صاحب الذخيرة حين قال " ضمنت كتابي هذا من أخبار أهل هذا الأفق ما لعلي سأُرْبي به على أهل المشرق"
و على الرغم من أن مؤلف الكتاب قد اعتبره مجرد مجموع أدبي من المنظوم و المنثور، و أن ليس فيه شيء من التفسير و البيان و النقد، فإن الكتاب يعد ذا قيمة نقدية كبرى، نظرا لما تضمنته مقدمته من أحكام نقدية، وما شمله متنه من أبعاد نقدية نظرية و إجرائية، بل يمكن أن نعتبر أن مجرد الإختيار هو عمل نقدي لأن انتقاء عمل إبداعي ما لأديب ما، لا بد أن يخضع لذوق الناقد و انطباعاته.
2ـ لقد اعتمد ابن بسام في كتابه منهجية التقسيم الجغرافي، حيث قسمه لأربعة أقسام ـ القسم الأول: لأهل حضرة قرطبة و ما يصاقبها من بلاد موسطة الأندلس.
ـ القسم الثاني: لأهل الجانب الغربي في الأندلس، و ذكر أهل حضرة اشبيلية، و ما اتصل بها من بلاد ساحل البحر المحيطـ القسم الثالث: لأهل الجانب الشرقي من الأندلس، و من نجم من كواكب العصر في أفق ذلك الثغر الأعلى إلى كلمة الإسلام هنالك. ـ القسم الرابع: لمن طرأ على الجزيرة في المدة المؤرخة من أديب شاعر ، و آوى إلى ظلها من كاتب ماهر، و اتسع فيها مجاله، و حُفظت في ملوكها أقواله، و طائفة من مشهوري تلك الآفاق من نجم بإفريقية و الشام و العراق.
إن اعتماد ابن بسام على البعد الجغرافي يمكن أن يفسر باستشعار ه لدور المكان و البيئة في الإبداع على أن هذا البعد ليس وحده الذي يؤطر منهجية التأليف، إذ تحضر المعايير التاريخية و السياسية، و دليلنا على ذلك بدؤه بقرطبة ثم اشبيلية حيث كانت الأولى عاصمة دولة الخلافة لفترة طويلة، و كانت الثانية عاصمة دولة بني عباد إحدى أقوى دول الطوائف، و يتأكد ما ذهبنا إليه ما صرح به صاحب الذخيرة نفسه حيث قال " و بدأت بذكر الكُتَّاب، إذ هم صدور في أهل الأدب إلا أن يكون من له حظ من الرياسة أو يدعو إلى تقديمه بعض السياسة، فأول ما ذكرت من أهل قرطبة من كان بها من ملوك قريش في المدة المؤرخة من أهل هذا الشأن ، ثم من تعلق بسلطانهم، أو دخل في شيء من شأنهم، و تلوتهم بالكتاب و الوزراء، ثم بأعيان الشعراء، بطوائف من المقلين منهم، و كذلك فعلت في كل قسم، بدأت بالملوك، ثم استمر على ما وصفت من الترتيب، و انتظم على ما شرحت من التبويب ( ص 32 ).
3ـ إن تناول ابن بسام لإبداع أديب أو شاعر ما، كان يبتدئ من وضع تقديم له يتحدث فيه عن الشروط التاريخية و الاجتماعية المحيطة به مع مراعاة الجوانب المعرفية المتعلقة به، ثم يتبع ذلك بما اختاره من إبداعات للشخصية المقدمة، و قد كان ذلك محكوما بأمرين نقديين مهمين، أولهما البديع و ثانيهما تتبع المعاني و الألفاظ من حيث كونها مبتدعة مخترعة، أو سُبق إليها، و قد أظهر ابن بسام في قدرة فائقة على تتبع الأفكار و العبارات، و الكشف عن مصادرها، مما ينم عن تكوينه الرفيع و قدرته على استثمار ذاكرته و محفوظاته.
و مما يمكن أن يدخل في معايير الإختيار، المنطلق الأخلاقي القائم على استبعاد، كل ما من شأنه أن يدخل في باب الغزل الفاحش، أو الهجاء المذقع، أو المديح التكسبي، و حتى ما يمكن أن يدخل في باب الفلسفة و التأمل في الحياة مما خالف ظاهر الشريعة.
4ـ إن معرفة الأهمية الفعلية لكتاب الذخيرة لن تتأتى إلا بالإطلاع المتأني على ما تضمنه من مختارات روائع الأندلسيين، و نرجو مما كتبناه أعلاه أن يكون فيه ما يحفز الباحث عن المتعة و الفائدة على الإطلاع على هذه الذخيرة الفنية
عبد القادر زين الدين