في ذكرى رحيل الشيخ إمام دروس الحب والثورة


في السابع من يونيو من كل سنة، نستعيد ذكرى يوم أربعاء من سنة 1995، دار فيها الدهر بما دار، ومضى إمام عيسى إلى حيث يوارى، تاركا لغيره إكمال المشوار، بعد أن أودع خزاناتنا، بل ذاكراتنا ذخيرته الفنية الحية، لتكون ملاذنا في لحظات التحدي و الاحتجاج، أو التأمل والمتعة، إنها وسيلتنا الفعالة في مواجهة الصمت والخنوع
هي إذن سبعة عشر عاما مضت، وألحان الشيخ لا زالت تسكننا، نشنف بها أسماعنا، ونستفز ضمائرنا، ونلهب حماسنا، بل نملأ بها فراغات من أرواحنا.
هي إذن سنوات عديدة، ولا زلنا نستخلص إضاءات وتنويرات من دروس الشيخ ، وأولى تلك الإضاءات، الوعي بأن الفن الملتزم غير الفن الخليع الذي يحاصرنا في كل مناسبة، ولا نجد له من أدوات المناعة إلا أغاني الشيخ إمام، على الرغم من عدم توفر تسجيلات بجودة عالية، أما ثاني الإضاءات فتتمثل في الإحساس بانتماء أغنية إمام إلى كياننا الداخلي، إلى أعماقنا، فنحن الذين أدركنا منذ نعومة أظافرنا الفرق الشاسع بين من يملك الجاه والسلطة، ومن لا يملك إلا عرق جبينه، لا يمكن إلا أن نشعر بأن إمام يتحدث باسمنا وهو يغني " هما مين و احنا مين " و" شيد قصورك ع المزارع " ... أما الإضاءة الثالثة فمن درس في التربية على الصمود والتحدي موجه إلى الجيل القادم من الكادحين، تبشره بحتمية الخلاص من الظلم والظلام ففي أغنية يا ولدي ما يوحي بالتلازم التعاقبي للمعاناة و الخلاص (إن سهرت أمطار معنا، أو غطى البرد شوارعنا، فالدفء يعمر أضلعنا، و لهيب الأرض بنا يسري.. وإذا بحت لك أغنية، أو أنت قدم حافية ، فشموس رفاقك آتية، وستشرق من غضب الفقر)، إن التخلص من المعاناة و الظلم ليس موكولا لجيل من الأجيال، فإذا لم يكمل أحدها مهمة من المهمات فعلى الجيل الموالي أن يأخذ المشعل، وفي هذا الإطار يدعو إمام الجيل الفتي، دعوة صريحة للابتعاد عن الأوهام، ومواجهة الواقع بما يلزم، (لن يسقي دمع أشجارك، لن تبني بالآه جدارك، فاصرخ في الخوف إذا زارك، لا تخش النار من الجمر، يا ولدي)
أما الإضاءة الرابعة فمن درس الحب، حب لا يقف عند حدود القرب العاطفي بين الحبيبين، بل يتجاوزه إلى حب هدفه الحب نفسه ( إن كان أمل العشاق القرب، أنا أملي من حبك هو الحب )، حب يصل إلى درجة العشق حين يتعلق بتقاسم المعاناة و الصبر( اتجمعوا العشاق في سجن القلعة... اتجمعوا العشاق بالزنزانة مهما يطول السجن مهما القهر ... تجمعوا و العشق نار في الدم ..... نار تحرق الجوع و الدموع و الهم..)
هذه بضع إضاءات من دروس مستخلصة من أغاني الشيخ إمام عيسى، وهي كثيرة، ولا شك أن تجربة هذا الفنان العظيم جميعها عبارة عن درس في الحياة والمبادئ، فإمام الذي عاش ظلمة العين، وبؤس الواقع، وحصار النظام السياسي القائم في مصر و خارجها استطاع أن يرسم لنفسه طريقا، مكنته من أن يصبح من الذين سجلهم التاريخ في صفحاته المذهبة إلى جانب الشهداء و المقاومين.