الزجل الصوفي في الأندلس: زجل الششتري (668هـ) نموذجا






1ـ البيئة العامة:

لقد كانت منطقة الغرب الإسلامي، بما عرفته من تطورات اجتماعية و فكرية، مجالا سمح ببروز تجربة التصوف بها منذ أواخر القرن الهجري الثالث، متبلورة في مذاهب و طرق متباينة أشهرها " المدينية" (نسبة إلى أبي مدين الغوث) و مركزها بتلمسان، ومدرسة " ألمرية في بلاد الأندلس، وقد شكل القرن السابع الفترة الذهبية في مسير التجربة الصوفية في المنطقة، حيث برز أقطاب مشهورون، في مقدمتهم الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي (ت 638هـ)، وأبو الحسن الششتري (ت668هـ)، و عبد الحق بن سبعين (ت 669هـ)، وقد نهل هؤلاء من المعين الحضاري والثقافي الأندلسي، قبل أن يشدوا الرحال إلى بلاد المشرق، تفاعلا مع طقوس السفر الذي يعد ركيزة صوفية، وتعاطيا مع الوضع السياسي و الاجتماعي القائم في أثناء تدهور دولة الموحدين، فكانت أرض الكنانة والحجاز و الشام مجالا لتبلور معطياتهم العلمية و الروحية، و قد اشتهر ابن عربي و الششتري بتضلعهما في الإبداع الشعري الصوفي، حيث أنتجا شعرا يحبل بالمقومات الفنية المؤسسة للجمالية الشعرية، و المعبرة في الآن ذاته عن مواقفهما الوجودية والمعرفية، إلا أن الواحد منهما كان متميزا بطابعه الخاص، و لا شك أن الثاني قد أخذ من تجربة الأول و عمل على تطويرها وتجاوزها، في إطار مشروع تواصلي يستثمر الشعر التقليدي و الموشح و الزجل بهدف أساس هو مراعاة شروط التلقي، و تنويع وسائل التخاطب وفق التجربة الإبداعية في الأندلس المتميزة بالتجديد، و الارتباط الشديد بين الإبداع و عالم الموسيقى و الطرب.

2ـ القيمة الإبداعية للزجل الصوفي:

من الراجح أن يكون الزجل قد استحدث في الأندلس لمواكبة روح المجون و التغزل و اللهو و مع ذلك فقد نقله الششتري و غيره من بعده إلى عالم التصوف لخدمة أهداف تعبوية بحكم قربه من الذوق العام المستند إلى اللغة المتداولة، و قد اعتمد في ذلك على تجربة " ابن قزمان " الزجلية الرائدة، مشكلا قفزة نوعية على مستوى التعبير استحق بها أن يكون " أستاذ الزجل الصوفي، و إمامه المنفرد فيه من غير منازع، فقد أخضعه لآرائه و أفكاره، و عبر به أدق تعبير عن أعمق المعاني الصوفية، و صور فيه مراحل تطوره الروحي، و نزل به إلى العامة في الأسواق و الطرقات، فتداولوه بينهم و أنشدوه في حلقاتهم"[1]، لقد أضاف الششتري ـ إذن ـ إلى قيمة زجله الإبداعية، ظاهرة فريدة في عملية الإلقاء الشعري، و هي الإنشاد في الأماكن العمومية في طقوس تجوال مثيرة، تعكس الرغبة في توسيع دائرة التواصل، و لعل من مظاهر الإبداع التي ساهمت أيضا في ذلك، ما أعطاه لزجله من عناية بالمقومات الموسيقية من نظم و إيقاعات، مستثمرا ما يتيحه هذا النوع من تباين في الأوزان و القوافي بين الأبيات و الأقفال فضلا عن اعتماد اللازمة في كثير من الأحيان، بحيث تسهم في إغناء الطابع النغمي و الغنائي للزجل، و ذلك ما يمكن أن نتذوقه في النموذج التالي[2]:
قولوا للفقيه عني عشق ذا المليح فني
و شربي معو بالكاس
و الحضرة مع الكلاس
و حولي رفاق أكياس
قد شالوا الكلف عني
قولوا للفقيه عني عشق ذا المليح فني
أي مذهب تدريني
الشريعة تحييني
و الحقيقة تفنيني
و اعلم أني سني
قولوا للفقيه عني عشق ذا المليح فني
و اعلم أن ليس في الدار
غيرك فاقطع الأخبار
و ادخل معي المضمار
أو مر لا تصدعني
قولوا للفقيه عني عشق ذا المليح فني
فدعني من وهمك
فأنت غلام نفسك
هذا الكون هـ دار نومك
استيقظ ترى حسني
قولوا للفقيه عني عشق ذا المليح فني

3ـ القيمة المعرفية:

إن نظرة عامة في أشعار الششتري ـ خاصة أزجاله ـ يجد أنها أشعار بسيطة و سهلة في ظاهرها، رغم وجود مصطلحات و تعابير صوفية كثيفة بدلالاتها الرمزية الخاصة، مما ينم عن قدرة فائقة على مفاعلة التصوف بالإبداع، بحيث لا تطغى الكثافة الفنية على المضمون التعبيري التواصلي أو تطغى القصدية التخاطبية على رونق الإبداع و شعريته.
و إذا كانت المعاني الصوفية ترتبط ارتباطا وثيقا بالتجربة الخاصة للتصوف، فإن اللافت للنظر أن تجربة الزجل الصوفي لا تنفصل تماما عن سيرورة الشعر العربي من حيث المضمون، فقد حاول الزجالون استثمار الإمكانات التواصلية التي تتيحها أشعار الغزليات و الخمريات بشكل أساسي، لما تتوفر عليه من طاقات تأثيرية على النفس البشرية. هكذا وجدنا الزجل الصوفي مبنيا على معاني الغزل العفيف و الصريح، موظفا أسماء المحبوبات و قصص العشق المتواترة في الشعر العربي، و في طليعتها قصة " ليلى و المجنون " في محاولة لاستدراج المخاطب إلى تجربة روحية خاصة، لا تنتهي إلا عند أرقى درجات العشق، و هي الفناء في المحبوب، فليلى تجاوزت كونها كائنا ماديا أو مثاليا إلى عالم الرمز المعبر عن الوحدة الوجودية المطلقة في قالب غزلي، يشكل " قيس" طرفا رئيسيا فيها حيث انتهى به عشقه لليلى إلى الجنون، وهو ما رمز به المتصوفون إلى ما يلم بهم من أحوال الوجد و الجذب، إن شخصية قيس بطابعها الجنوني إنما كانت خلقا صوفيا خالصا، و رمزا للمحب الذي فني عن أوصافه و ذاته، و ذهل عن مألوفه و أخذ عن عادته "[3] ، فقيس الصوفي شخصية مجنونة اتحدت بمحبوبها ( ليلى) فأصبح الاثنان واحدا، و عبر المتصوفة عن هذه الوحدة بعبارة مأثورة أنطقوا بها قيسا هي قوله " أنا ليلى" ، و ما ورد في ذلك ما جاء عن عز الدين عبد السلام، أنه سئل المجنون " أتحب ليلى؟" قال لا، فقيل له كيف؟ فقال لأن المحبة ذريعة الوصلة و قد سقطت الوصلة بيني و بين ليلى، فأنا ليلى و ليلى أنا "[4]، و هذه الفكرة هي التي عبر عنها الششتري شعرا من قصيدة جميلة[5]
أسفرت يوما لقيس فانثنى ××× قائلا يا قوم لم أحبب سواي
أنا ليلى و هي قيس فأعجبوا ××× كيف مني كان مطلوبي إلي
و هي إشارة لطيفة إلى مبدأ الوحدة الوجودية المطلقة الذي يعد دعامة التصوف الإعتقادي.
و كما هو الشأن بالنسبة للغزل، شكلت الخمريات مجالا رمزيا لطقوس التصوف، حيث ارتبطت الخمرة و السكر بدرجة رفيعة من السمو المعرفي و الوجودي "... و السكر لا يكون إلا لأصحاب المواجد، فإذا كوشف العبد بنعمة الجمال، حصل السكر، و طاب الروح و هام القلب "[6]، لذلك فإن السكر بما يعنيه من فناء و ذوبان في الحق يعكس درجة معرفية تتجاوز الحدود و المعارج إلى التعبير عن فلسفة وحدة الوجود، يقول الششتري في مقطع زجلي.[7]
ما نجد خليعا مثلي حرقته الكاسات و الأدنان
معتكف في جامع أزهر مختل في شق تعبان
و بقيت عاشق مهتك ننظم الزجل و الأوزان
و في حرابي إبريق فيه خمرة معنويا
و جعلت السكر دأبي و هويت العشق غيا
من يكن مثلي محقق و يرى جمع المشاهد
ينظر الكاسات و الأدنان و الشراب و الكل واحد
و لا ينهل ذا المناهل و يرى ذي الموارد
إلا من أفنى وجوده و لا خلى فيه بقيا
و نفى عنه الخواطر و جلا صقل المريا
مذ فنى عني وجودي و فناي عين بقاي
و انجلت لي الحقيقة و انكشف عني غطاي
و ارتفع عني حجابي ما رأيت في الكون سواي
واضح إذن من هذا المقطع، و من النص السابق، كيف يعمل الششتري على جعل عملية السكر طقسا دينيا روحيا، عاديا، و ضروريا، دون أن يأبه إلى ما يثيره ذلك عند التيار الفقهي من خلال تركيزه على 
" قولوا للفقيه عني " و جعله لازمة تتردد في القصيدة، في إطار نوع من التحدي للفقه الذي تقف حقيقته عند الظاهر، و لا تتجاوزه إلى باطن الشريعة بكؤوسه و دينانه و إبريقه، وفي كل ذلك إشارات عميقة إلى سعيه نحو الوصول إلى حقيقة أن " الكل واحد "عبر تحقيق الشروط المطلوبة و هي الغناء الوجودي و رفع الحجاب
إن القيمة المعرفية للزجل الصوفي تتجسد في كونه يحمل معاني و أفكار التصوف المعبرة عن الوحدة الوجودية في طابع بسيط، قريب من ذوق العامة، يستثمر القوة التأثيرية للغزليات و الخمريات، كما كان ارتباطه بطقوس إنشادية و موسيقية عزز طابعه التداولي و إمكاناته التواصلية نحو أوسع الشرائح الإجتماعية
عبد القادر زين الدين


فوزي عيسى سعد، الموشحات و الأزجال في عصر الموحدين، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية 1990 ص 168[1]
ديوان أبي الحسن الششتري، [2]
عاطف جودت نصر، الرمز الشعري عند الصوفية، دار الأندلس، ط3/ 1993 ص 134[3]
انظر، رمز الخمر في شعر ابن الفارض، محمد يعيش، رسالة ماجستر في الآداب، جامعة القاهرة، 1988 ص 285[4]
ديوان أبي الحسن الششتري[5]
عبد الكريم القشيري، الرسالة القشيرية في علم التصوف، دارالجيل، بيروت، ط2/ 1990 ص 72[6]
الديوان[7]

تابع المزيد

الذخيرة: موسوعة محاسن الأندلس من النثر و الشعر

1ـ يمكن اعتبار  كتاب " الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة " الذي ألفه ابن بسام الشنتريني ( 542هـ)أحد أهم الكتب التراثية التي أرخت للتجربة الأدبية الأندلسية في فترة من فتراتها الزاهية، حيث تضمن المؤلف مختارات من أروع ما أبدعه أدباء و شعراء القرن الخامس الهجري أمثال ابن دراج القسطلي و ابن شهيد و ابن زيدون و المعتمد بن عباد... الذين اعتبرهم ابن بسام " رؤساء خطابة، و رؤوس شعر و كتابة، تدفقوا فأنسوا البحور، و أشرقوا فباروا الشموس و البدور، و ذهب كلامهم بين رقة الهواء و جزالة الصخرة الصماء " إننا ونحن نطالع هذا الكلام المسجوع البديع ليتبين لنا مدى اعتزازه و افتخاره بأدباء الجزيرة الذين فاقوا المشارقة أدبية و شاعرية، و هذا ما أعلنه صاحب الذخيرة حين قال " ضمنت كتابي هذا من أخبار أهل هذا الأفق ما لعلي سأُرْبي به على أهل المشرق"
   و على الرغم من أن مؤلف الكتاب قد اعتبره مجرد مجموع أدبي من المنظوم و المنثور، و أن ليس فيه شيء من التفسير و البيان و النقد، فإن الكتاب يعد ذا قيمة نقدية كبرى، نظرا لما تضمنته مقدمته من أحكام نقدية، وما شمله متنه من أبعاد نقدية نظرية و إجرائية، بل يمكن أن نعتبر أن مجرد الإختيار هو عمل نقدي لأن انتقاء عمل إبداعي ما لأديب ما، لا بد أن يخضع لذوق الناقد و انطباعاته.  
  2ـ لقد اعتمد ابن بسام في كتابه منهجية التقسيم الجغرافي، حيث قسمه لأربعة أقسام                                                         ـ القسم الأول: لأهل حضرة قرطبة و ما يصاقبها من بلاد موسطة الأندلس.              
  ـ القسم الثاني: لأهل الجانب الغربي في الأندلس، و ذكر أهل حضرة اشبيلية، و ما اتصل بها من بلاد ساحل البحر المحيطـ القسم الثالث: لأهل الجانب الشرقي من الأندلس، و من نجم من كواكب العصر في أفق ذلك الثغر الأعلى إلى كلمة الإسلام هنالك.               ـ القسم الرابع: لمن طرأ على الجزيرة في المدة المؤرخة من أديب شاعر ، و آوى إلى ظلها من كاتب ماهر، و اتسع فيها مجاله، و حُفظت في ملوكها أقواله، و طائفة من مشهوري تلك الآفاق من نجم بإفريقية و الشام و العراق.
       إن اعتماد ابن بسام على البعد الجغرافي يمكن أن يفسر باستشعار ه لدور المكان و البيئة في الإبداع على أن هذا البعد ليس وحده الذي يؤطر منهجية التأليف، إذ تحضر المعايير التاريخية و السياسية، و دليلنا على ذلك بدؤه بقرطبة ثم اشبيلية حيث كانت الأولى عاصمة دولة الخلافة لفترة طويلة، و كانت الثانية عاصمة دولة بني عباد إحدى أقوى دول الطوائف، و يتأكد ما ذهبنا إليه ما صرح به صاحب الذخيرة نفسه حيث قال " و بدأت بذكر الكُتَّاب، إذ هم صدور في أهل الأدب إلا أن يكون من له حظ من الرياسة أو يدعو إلى تقديمه بعض السياسة، فأول ما ذكرت من أهل قرطبة من كان بها من ملوك قريش في المدة المؤرخة من أهل هذا الشأن ، ثم من تعلق بسلطانهم، أو دخل في شيء من شأنهم، و تلوتهم بالكتاب و الوزراء، ثم بأعيان الشعراء، بطوائف من المقلين منهم، و كذلك فعلت في كل قسم، بدأت بالملوك، ثم استمر على ما وصفت من الترتيب، و انتظم على ما شرحت من التبويب ( ص 32 ).
 3ـ إن تناول ابن بسام لإبداع أديب أو شاعر ما، كان يبتدئ من وضع تقديم له يتحدث فيه عن الشروط التاريخية و الاجتماعية المحيطة به مع مراعاة الجوانب المعرفية المتعلقة به، ثم يتبع ذلك بما اختاره من إبداعات للشخصية المقدمة، و قد كان ذلك محكوما بأمرين نقديين مهمين، أولهما البديع و ثانيهما تتبع المعاني و الألفاظ من حيث كونها مبتدعة مخترعة، أو سُبق إليها، و قد أظهر ابن بسام في قدرة فائقة على تتبع الأفكار و العبارات، و الكشف عن مصادرها، مما ينم عن تكوينه الرفيع و قدرته على استثمار ذاكرته و محفوظاته.
   و مما يمكن أن يدخل في معايير الإختيار، المنطلق الأخلاقي القائم على استبعاد، كل ما من شأنه أن يدخل في باب الغزل الفاحش، أو الهجاء المذقع، أو المديح التكسبي، و حتى ما يمكن أن يدخل في باب الفلسفة و التأمل في الحياة مما خالف ظاهر الشريعة.
4ـ إن معرفة الأهمية الفعلية لكتاب الذخيرة لن تتأتى إلا بالإطلاع المتأني على ما تضمنه من مختارات روائع الأندلسيين، و نرجو مما كتبناه أعلاه أن يكون فيه ما يحفز الباحث عن المتعة و الفائدة على الإطلاع على هذه الذخيرة الفنية

عبد القادر زين الدين

تابع المزيد

الإبداع و الإتباع في شعرية ابن زيدون الأندلسي



يعد الشاعر ابن زيدون من الشعراء الذين لمع نجمهم في سماء الشعر العربي في الأندلس، و من أكثرهم إثارة للجدل، خاصة إذا أدرجنا تجربة هذا الشاعر في إطار الصراع الذي كان قائما  بين المراكز الأدبية و الثقافية في الحضارة العربية القديمة ، فالمشرق العربي عرف نهضة أدبية غير مسـبوقة في العـصر العباسي ساهم فيها شعراء كبار أمثال أبي تمام و البحتري و المعـري
 و المتنبي ، و في الأندلس  عرفت الحركة الأدبية أزهى عصورها في الفترة المعروفة بعهد
 " ملوك الطوائف" إذ سطعت شمس مجموعة من الشعراء كابن زيدون ( 394 ـ 463 هـ )
 و المعتمد بن عباد و ابن خفاجة ( 450ـ 533 هـ ) و لذلك فإن نزعة الريادة و السبق قد طغت على الفكر النقدي و الإبداعي لبعض المشارقة، و في نفس الإطار هيمنت فكرة التحدي و إثبات الذات على الكثير من الأندلسيين و المغاربة. و إذا كانت الشخصية الإبداعية للشاعر ابن زيدون قد قادته إلى رسم طريق إبداعي خاص استلهم التجربة الشعرية لمن سبقه من شعراء، و متح من معين الخصوصية الأندلسية، و مسارها الإبداعي فإن تجربة هذا الشاعر قد أثارت اهتمام النقاد القدامى و المعاصرين، فتتبع بعضهم ألفاظ و معاني شعره، و بحث في  أصولها، و استخلص من مقارنتها بأشعار المشارقة و جود تشابه كبير بينها ، غير أن الحكم النقدي المستخلص من هذه المقارنة لم يكن واحدا، فمن النقاد من اعتبر أن التشابه بين الأشعار و طريقة نظمها ظاهرة عادية عرفها الشعر العربي في مختلف العصور و الأقطار، بل منهم من عمل على  البحث في مظاهر الابداع و التفرد في شعر ابن زيدون، باعتباره شكلا من أشكال التحدي التي دأب عليها مبدعو الأندلس بعد نضج شخصيتهم الإبداعية، و قد تبنى مصطفى عليان عبد الرحيم الموقف القائل بتحدي الأندلسيين للمشارقة حين اعتبر أن شعراء القرن الخامس في الأندلس قد " أرادوا لشعرهم أن يسمو للمقام الذي وصل إليه نظيره المشرقي، و أن يكون عملهم تذكيرا للأندلسيين بالإقبال على شعرهم الذي يحمل ملامح بيئتهم بالإضافة إلى تخليد شعرهم و حفظه " تيارات النقد في الأندلس ـ مؤسسة الرسالة ط 1 ـ 1989
 غير أن نقادا آخرين قد استخلصوا من تشابه شعر الشاعر مع شعر شعراء سابقين، أن ابن زيدون لم يكن إلا شاعرا متبعا لا مبدعا، و أنه مجرد ناقل لألفاظ و معاني الآخرين، خاصة منهم البحتري، و لذلك استحق لقب "بحتري المغرب "

لنتأمل في البداية الآراء النقدية الواردة في بعض المصادر الأدبية القديمة، قبل أن نتابع الجدل القوي بين بعض النقاد المعاصرين  حول هذا الشاعر.
فإذا تصفحنا المصادر النقدية القديمة التي تناولت أدبيته نجد أنها تجمع على نبوغه في الشعر و النثر، نمثل لها بما ورد في كتابين مهمين من كتب النقد الأندلسي هما كتاب" قلائد العقيان و محاسن الأعيان " للفتح بن خاقان الإشبيلي المتوفى سنة 529 هـ ، و كتاب " الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة " لابن بسام الشنتريني (  542 هـ ) ، فالفتح في القلائد قد ترجم لابن زيدون بما نصه: " زعيم الفئة القرطبية، و نشأة الدولة الجهورية، الذي بهر بنظامه، و ظهر كالبدر ليلة تمامه، فجاء من القول بسحر، و قلده أبهى نحر، لم يصرفه إلا بين ريحان و راح، و لم يطلعه إلا في سماء مؤانسة و أفراح، و لا تعدى به الرؤساء و الملوك، و لا تردى منه إلا حظوة كالشمس عند الدلوك، فشرف بضائعه، و أرهف بدائعه و روائعه، و كلفت به تلك الدولة، حتى صار يلهج بلسانها، و حل من عينها مكان إنسانها ... " [ القلائد ص 209]   فالفتح في هذه الترجمة يشير إلى الدور الريادي الذي لعبه ابن زيدون في نشأة مملكة بني جهور في قرطبة، إلا أن المهم فيها هو إعجابه و تأثره الكبير بأشعار ابن زيدون " المبهرة و الساحرة "، و لذلك هو يعتبر أن القصائد و المقطوعات التي أورها في كتابه لابن زيدون " أرق من النسيم، و أشرق من المحيا الوسيم " [ ص 216 ]، و الفتح في هذا المجال يشير إلى خاصيتي الرقة و الإشراق اللتين تميزان شعر الشاعر، و قد استعان في إبراز انطباعه هذا بالمعجم الطبيعي المحسوس: النسيم، المحا الوسيم. و يعتبر صاحب القلائد أن نونية ابن زيدون الشهيرة " قصيدة ضربت في الإبداع بسهم، و طلعت في كل خاطر و وهم، و نزعت منزعا قصر عنه حبيب و ابن الجهم " [ ص 245 ] و هي إشارة إلى أن الشاعر في النونية قد اتجه وجهة تميزها عن مذهب الصنعة الذي تزعمه حبيب بن أوس الطائي/ أبو تمام و مذهب الطبع الذي يمثله أبو الحسن علي ابن الجهم، و هذا الاتجاه سمح لها بالتفوق ـ من منظور ابن خاقان ـ على المذهبين معا.
أما إذا انتقلنا إلى كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، فإننا نجد أن ابن بسام المعروف بنزعته الأندلسية قد احتفى بالشاعر ابن زيدون احتفاء كبيرا فهو عنده قد " وسع البيان نظما و نثرا إلى أدب ليس للبحر تدفقه، و لا للبدر تألقه، و شعر ليس للسحر بيانه، و للنجوم الزهر اقترانه، و حظ من النثر غريب المباني، شعري الألفاظ و المعاني " [ الذخيرة: ص 336 ] ،و أضاف " فأما سعة ذرعه، و تدفق طبعه، و غزارة بيانه، و رقة حاشية لسانه، فالصبح الذي لا ينكر و لا يرد، و الرمل الذي لا يحصر و لا يعد " [ الذخيرة: 339]، إن الحديث عن البيان في شعر و نثر ابن زيدون فيه إشارة إلى ما يتميز به من تدفق في الطبع، و عدم التزام السجع و الازدواج، رغم ميله لاستعمالهما، و توظيف للغة مستأنسة تمكن من الدلالة الواضحة عن المعنى الخفي،  و يقول عما اختاره لابن زيدون من أشعار و منثورات " و قد أخرجتُ من أشعاره التي هي حجول و غرر، و نوادر أخباره التي هي مآثر و أُثر، و رسائله التي أخرست ألسنة الحفل [ و استوفت أمد المنطق الجزل، ما يسر الآداب و يصورها، و يستخف الألباب و يستطيرها] " [ الذخيرة: 339]
و من الملاحظ أن صاحب الذخيرة قد عقد مقارنات بين شعر ابن زيدون و شعر سابقيه من المشارقة وخاصة منهم البحتري، لكن هذه المقارنات لم تكن بغاية إثبات فضل السابق على اللاحق، أو تقرير أن هذا قد أخذ من ذلك، بل هو يقارن بناء على تصوره النقدي العام المتمثل في تتبع المعاني المستحسنة، يقول في هذا الشأن: " و إذا ظفرت بمعنى حسن، أو وقفت على لفظ مستحسن، ذكرت من سبق إليه، و أشرت إلى من نقص عنه، أو زاد عليه، و لست أقول: أخذ هذا من هذا قولا مطلقا، فقد تتوارد الخواطر، و يقع الحافر حيث الحافر، إذ الشعر ميدان و الشعراء فرسان. " [ الذخيرة: 18 ـ 19 ]، إلا أنه  في الأخير قد استساغ إطلاق اسم "بحتري المغرب " على ابن زيدون عندما قال: " و يقول بعض أدبائنا إن ابن زيدون بحتري زماننا، و صدقوا لأنه حذا حذو الوليد " [ص 379  ]
من خلال كا سبق تأكد لنا أن النقاد الأندلسيين القدامى كانوا معجبين بمكانة الشاعر ابن زيدون و بقيمة شعره، معتبرين إياه مفخرة لبلاد الأندلس، يمكن مباهاة المشارقة بما أبدعت قريحته من شعر و نثر.

أما إذا انتقلنا إلى الباحثين المعاصرين الطامحين إلى إعادة النظر في التراث الإبداعي العربي القديم  فقد تعددت آراؤهم، حول شاعرية هذا الشاعر، حيث تذوق بعضهم في شعره شخصية الشاعر المبدع، فهذا علي عبد العظيم محقق الديوان يقر بأن ابن زيدون " يعد في الرعيل الأول من شعراء العربية في جميع المواطن و الأزمان، و مكانته في النثر قريبة من مكانته في الشعر، فاستحق أن يجذب إليه قلوب الأدباء في عصره و ما تلاه من عصور " [ مقدمة الديوان: ص 9 ـ 10 ]  بينما رأى فيه آخرون مجرد شاعر متبع لمسار شعراء  سابقين، هكذا وجدنا عددا من الباحثين يعودون إلى أوجه الشبه بين شعر ابن زيدون و شعر البحتري،  فهذا كرم البستاني في تقديمه لديوان ابن زيدون يقول: " كان ابن زيدون كاتبا و شاعرا، و كان يلقب ببحتري المغرب تشبيها له ببحتري المشرق في روعته و ديباجته و سمو خياله، و حسن فنه " إلا أن البستاني قد سجل أن ابن زيدون يتميز عن البحتري بجمال الطبيعة و إشراكه إياها في شعوره و لواعجه، شوقه و ألمه مع فراق ولادة، كما يتميز عنه بنعومة غزله و براعته في تصوير اختلاجات نفسه، و لوعته و مزجه الغزل بوصف الطبيعة، غير أن البستاني يرى أن ابن زيدون لم يكن مبتدعا في قصائده المادحة، التي غطت مساحة كبيرة من ديوانه.
و يعد شوقي ضيف من أكثر النقاد المعاصرين طعنا في شاعرية ابن زيدون إذ رأى أنه شاعر يخلط بين مذاهب العباسيين من صنعة و تصنع من غير طريقة مرسومة و لا خطة مدفوعة، و صورة معانيه هي الصورة العباسية" معتبرا أن من يتابع شعره يشعر أنه يكاد يسقط من ديوانه إلى أمكنته من شعر العباسيين، و مبرزا أن الشاعر  لا يختار له نسقا معينا يعيش فيه، بل هو يعيش في كل نسق يقرؤه، فتارة يعيش في جو البحتري و أخرى في جو أبي تمام أو المتنبي أو أبي العلاء من غير تفريق بين هؤلاء الشعراء، و معرفة أن كلا منهم يمثل مذهبا خاصا به " ( الفن و مذاهبه في الشعر) غير أن شوقي ضيف قد عاد في موضع آخر ليقر بشاعرية ابن زيدون حين قال: " و كان ابن زيدون يحسن ضرب الخواطر و المعاني القديمة و الموروثة في عملة أندلسية جديدة فيها جمال الفن و بهجة الشعر " ( ابن زيدون .. )
و قد تكفل د. عباس الجراري في كتابه " فنية التعبير في شعر ابن زيدون بالرد على مزاعم ضيف السابقة معتبرا أن فيها نوعا من التحامل ( ص 73 ) مسائلا إياه " متى كانت تلك المذاهب [ مذاهب شعراء المشرق]مقياسا لازما لفنية الشعر ؟  و هل نستطيع أن ننكر ما يتميز به الشعر الأندلسي من رشاقة و انسياب و جمال في الصياغة؟ بل هل نستطيع أن ننكر ما يتميز به الشعر الأندلسي من رشاقة و انسياب و جمال في الصياغة؟ بل هل نستطيع أن ننكر أن هذا الشعر ينطلق من العاطفة و لا ينطلق من مجرد المهارة الصناعية؟ و يضيف الجراري مبررا التشابه القائم بين أشعار ابن زيدون و سابقيه من شعراء الشرق قائلا إن هناك حقيقة في تاريخ الشعر الأندلسي و المغربي عامة، و هي"  أن الشعراء كانوا مغرمين باقتفاء قصائد المشارقة و معارضتها، و لكن هذه الحقيقة لا تعني أنهم يقصدون إلى التقليد، كما فهم ذلك نقاد و مؤرخو الأدب في المشرق بقدر ما كانوا يقصدون إلى التحدي، و إظهار القدرة  و البراعة، و بهذا يجب أن يفسر كذلك تلقب شعراء أندلسيين بأسماء شعراء مشارقة  كتلقب شاعرنا ببحتريها، حقا لقد كان ابن زيدون كذلك، ربما لالتقائه مع الشاعر العباسي في مجال العناية الفائقة بالموسيقى والصياغة، و إن لم يبالغ شاعرنا في استعمال المحسنات و لم يتكلفها، و لكن الذي لا شك فيه أنه كان يفوق البحتري بقوة العاطفة  و صدقها و بغنى التجربة الحياتية عامة ( فنية التعبير في شعر ابن زيدون 74 ـ 75 )

و في الختام يمكن القول إن الحكم على شعر شاعر لا ينبغي أن تحكمه بأية حال نزعات إقليمية، بل الأولى أن يعتمد على الذوق الفني للمتلقين، و الدراسة المتمعنة للمقومات الجمالية للإبداعه، و لعل قراءة متذوقة و متمعنة للكثير من قصائد ابن زيدون تؤكد أن هذا الشاعر واحد من الشعراء العرب الكبار، لا تنقص قامته الفنية عن قامة الكثير من الشعراء الذين نصنفهم عادة ضمن الشعراء الفحول.
عبد القادر زين الدين
تابع المزيد

غربة الشاعر الحديث في الكون والمدينة ـ ظاهرة الشعر الحديث

الموضوع:

ورد في مؤلف " ظاهرة الشعر الحديث " لأحمد المعداوي المجاطي ما يأتي:
" ولقد قادتنا دراستنا للمضامين الشعرية الحديثة إلى تقسيمها إلى تجربتين اثنتين: تجربة الغربة والضياع، وتجربة الموت والحياة ... ولعل أقرب هذه التجارب إلى تصوير الدمار الذي عَمَّ الأشياء والأنفس عقب النكبة، هي تجربة الضياع والغربة ..." 

أحمد المعداوي المجاطي، ظاهرة الشعر الحديث
شركة النشر والتوزيع المدارس، الطبعة الثانية 2007، الدار البيضاء، ص 63 ومابعدها.



انطلق من هذه القولة، ومن قراءتك المؤلف النقدي، ثم اكتب موضوعا متكاملا تنجز فيه ما يأتي:
ـ ربط القولة بسياقها داخل المؤلف.
ـ رصد ألوان الغربة في الكون والمدينة في الشعر العربي الحديث
ـ بيان المنهج الذي اعتمده الكاتب في دراسة هذا الموضوع.
ـ إبداء الرأي الشخصي في الموضوع، مع التعليل.


الإنجاز:
عرف الشعر العربي تحولات نوعية في القرن العشرين لم يعرف لها مثيلا طيلة مساره التاريخي الطويل، ذلك أن تغييرات كبيرة قد مست مضمون وشكل القصيدة العربية، و هذه التحولات هي التي عمل الناقد أحمد المجاطي على تتبعها في دراسته النقدية: " ظاهرة الشعر الحديث " حيث ميز في هذا الصدد بين حركتين تجديديتين: حركة الشعر الذاتي، ثم حركة الشعر الحديث التي شكلت ظاهرة إبداعية ثورية تمردت على الأشكال والمضامين الشعرية القديمةوإذا كان هذا الناقد المغربي قد استخلص من دراسته للشعر العربي الحديث أن هذا النمط الشعري قد جنح عقب نكبة فلسطين إلى تصوير حالة الاغتراب التي هيمنت على نفسية الإنسان العربي، فقد عمل على دراسة هذه التجربة الشعرية وتتبع مظاهرها وألوانها، فما هي إذن أهم ألوان الغربة؟ وما المنهج المعتمد في عرض هذا الموضوع؟

لقد وردت القولة ـ موضوع التحليل ضمن التمهيد الذي وضعه الناقد للفصل الثاني من المؤلف " وهو فصل خصصه لتجربة الغربة والضياع التي غذت المضامين الشعرية الحديثة بفعل تفاعلها بواقع اجتماعي وسياسي مأزوم تحكمه مشاعر الهزيمة ومفارقات الواقع الإنساني وكانت أقرب إلى رسم حالة الانهيار النفسي المهيمن على الشعوب العربية عقب نكبة فلسطين، وإذا كان المجاطي قد أبرز في مؤلفه ألوانا من الغربة حفلت بها دواوين الشعر العربي الحديث فإننا سنتوقف عند لونين أساسيين منها هما الغربة في الكون والغربة في المدينة.
فبالنظر للون الأول فقد رصد الشاعر في دواوين صلاح عبد الصبور أدونيس ويوسف الخال وبدر شاكر السياب وغيرهم شعور شعراء الحداثة بالوحدة والتفرد في كون لا يحكمه المنطق والعقل، وقد كان شعورهم هذا نتاجا لإحساسهم بالذل والمهانة وضياع المكانة التاريخية عقب نكبة فلسطين، فأدونيس مثلا اعتبر الكون متاها يتغلغل الشاعر في أرضه كالمسمار بلا صوت ولا إرادة.
أما اللون الثاني فيتعلق بإحساس الشاعر الحديث بالغربة في المدينة فالقارئ لديوان " مدينة بلا قلب " مثلا لأحمد عبد المعطي حجازي، يتأكد من المرارة التي يشعر بها الشاعر وهو يصور ما عرفته المدينة من تحولات على مستوى هندستها وواقعها، والعلاقات الاجتماعية القائمة فيها، فهي مدينة غلب عليها الطابع المادي تراجعت فيها القيم الإنسانية النبيلة، فهي مدينة بلا قلب ولا حب، تقسو على الأحياء والأموات وتشغل الناس عن أنفسهم.
وقد اعتمد المجاطي في تناوله لهذا الموضوع مقاربة تكاملية، استفادت من مبادئ وأسس مناهج متعددة من بينها المنهج الموضوعاتي والنفسي فاعتماد المنهج الموضوعاتي يبدو واضحا في تقسيم الناقد لموضوع الغربة إلى مظاهر وألوان كالغربة في الكون وفي المدينة، وفي الحب وفي الكلمة، كما يتجلى في تمييز تجربة الغربة والضياع عن تجربة الحياة والموت، أما المنهج النفسي فيتمثل في ربط الناقد تبلور تجربة الغربة والضياع بالصدمة النفسية والحالة الشعورية المترتبة عن نكبة 1948
يتبين من كل ما سبق أن الناقد أحمد المجاطي قد استطاع الإحاطة بموضوع الغربة في الشعر الحديث، والتعمق في عواملها والتفصيل في مظاهرها وألوانها، وهو أمر يؤكد القيمة النقدية لمؤلف ظاهرة الشعر الحديث الذي شكل علامة بارزة ورائدة في النقد العربي حيث تمكن من التحليل العميق لمختلف مظاهر التحول الذي عرفه الشعر مع حركة الشعر الحديث.

عبد القادر زين الدين

الحوار المتمدن 29 ـ 06 ـ 2015

تابع المزيد

تلخيص الفصل الثالث " تجربة الحياة والموت " من مؤلف ظاهرة الشعر الحديث ( ذ. بكور)

الأستاذ: سعيد بكور  
تلخيص الفصل الثالث "تجربةُ الحياةِ والموت":

تأثر الشاعر الحديث بواقع الهزيمة الأسود وبالأحداث التي تلتهُ ، فتأرجحَ إحساسه بين إيقاع اليأس الذي ولّد تجربة الغربة وإيقاع الأمل الذي أثمر تجربة الحياة والموت، وفي ظلّ الهزات العنيفة التي عاشها العالم العربيّ في فترة الخمسينات وتأرجُح الواقع بين اللحظات المشرقة (تأميم القناة، مشروع الوحدة بين مصر وسوريا، ثورة العراق..) واللحظاتِ المظلمة ( الاستعمار، العدوان الثلاثي..) تراوحت تجربة الشاعر الحديث بين إيقاع اليأس وإيقاع الأمل. وهكذا كانت تجربة الغربة التي أفرزها اليأس مشدودة إلى الواقع فيما ارتبطت تجربة الموت بمعاناة الواقع واستشراف المستقبل.
وكان الشاعر الحديث في ظل هذا الواقع وهو يعاين موتَ الحضارة العربية يفكّر في بعثها ويؤمن بولادتها من جديد، وللتعبير عن إمكانية هذا البعث والتجدد استعان بالأساطير المعبرة عن الموت والحياة كأسطورة تموز وعشتار، وأسطورة أورفيوس، وأسطورة الفينيق ، وأسطورة العنقاء... وأثمر اعتماد هذه الأساطير منهجا أسطوريا اختلف من شاعر لآخر، فصار الشاعر يحدّث الناس عن إمكانية انبثاق الأمل من أنقاض اليأس، وعلى انتصار الحياة على الموت. وكانت لكل شاعر طريقته ومنهجه الأسطوري النابع من رؤيته ورُؤياهُ للواقع:

أدونيس: التحول عبر الحياة والموت:

يصدُر أدونيس في تعبيره عن تجربة الحياة والموت عن ذاتٍ ممتائة بفحولة التاريخ العربيّ وجموح الحضارة العربية، وهو ما جعله يتّخذ موقفا من الواقع شبيها بموقف المسيح من جُثّة "لَعَازَرْ" الذي أحياها، وتسير معاني الموت عند أدونيس في اتجاهين:

1-اتجاه الحيرة والتساؤل عن كيفية البعث والولادة:

من أين كيف أوقظ النيام؟
والبحث عن وسيلة للبعث:
أبحث في مملكة الرماد
عن وجهك المدفون يا بلادي 

2-اتجاهُ التحوّل:
ومعناه تجدّد الواقع بموتِ وجودٍ قائم ليحلّ محلّه وجود آخر، حيث تصير التضحية سبيلا لبعث الأمة:
نبتت زهرة على الضفة الأخرى
بموتي، صرتُ المدى والمدارا
ويتّضحُ التّحول من الموتِ إلى الحياةِ في قصيدة "تيمور ومهيار"، حيث يحاول تيمور رمز الظلم والموت والاستعباد قتل مهيار رمز الشعب والحياة والحرية، ويستخدم في ذلك طرقا عدّة: يسجنه، يحرقه، يمسخه، يقطّعه إلى أجزاء، لكنه في كل مرّة ينبعث مؤكّدا مقاومة الموت والإيمان بالبعث، ويستثمر في هذه القصيدة أسطورة العنقاء التي تموت فليتهب رمادها لتحيا من جديد. ومهيار في القصيدة يرمز لإرادة الحياة لدى الأمة التي لا يمكن أن يقهرها الموت,

خليل حاوي: معاناة الحياة والموت
يرفض خليل حاوي مبدأ التحول ويقيم مكانه مبدأ المعاناة الذي يهيمن على مقدمات قصائده، ويتأرجح بين معاناة الخراب، ومعاناة الدمار، ومعاناة العقم والبعث.
وقد هيمنت معاناة الموت في ديوان "نهر الرماد"، حيث تسرب اليأس من البعث، وفشلت علاقة الشاعر بالمرأة، مما جعل معاناة التحول تحضر في قصيدة "بعد الجليد" حيث وظّف أسطورة تموز ليعبر عن الحلم بالبعث، وتجري القصيدة في دورتين : في الأولى يهيمن الموت، وفي الثانية تهيمن الرغبة في البعث والحياة، فيلجأ إلى تموز متضرعا:
يا إله الخصب يا بعْلا يفُضّ التربة العاقِر
يا شمس الحصيد
نجِّنا، نَجِّ عروق الأرض من عُقم دَهاها ودهانا
ويتحقق البعث في قصيدة "الجسر" بعد مخاض عسير:
صرخة تقطيع أرحام
وتمزيق عروق
لكن الأمل في الحياة والإيمان بالبعث يتحولّ في ديوان "بيادر الجوع" إلى يأس عارم يظهر بوضوح في قصيدة لَعَازَر.
وهكذا يمكن القول أنّ تجربة الموت والحياة عند خليل حاوي مرّت من ثلاث فترات: 

1-فترة مشرقة مثّلها ديوان )نهر الرماد) تراوحت بين 1953م و1956م.
2-فترة مشرقة مثّلها ديوان ( الناي والريح) هيمن فيها الإيمان بالبعث وامتدت من 1956م و1958م، حيث كان الأمل في الوحدة بين مصر وسوريا حاضرا.

3-فترة اليأس مثّلها ديوان (بيادر الجوع) وكانت نتيجة انفراط عقد الوحدة بين مصر وسوريا سنة 1962 وتلاها انتحار الشاعر.
السّياب: طبيعة الفداء في الموت
يأخذ الموت عند السّياب طبيعة الفداء، ويعتقد أنّ لا خلاص إلا عبر الموت أي بتقديم مزيد من الضحايا والأموات، وهنا يغدو الموت انتصارا :
أودّ لو غرقت في دمي إلى القرار
وأبعث الحياة ، إن موتي انتصار
كما يصير الموت في قصيدة (قافلة الضياع) شرطا للبعث ومحققا له:
من يدفن الموتى ليولد تحت صخرة كل شاهدة وليد
وقد نجح السياب في إعطاء الموت معنى الفداء وتحديدا في قصيدة "المسيح بعد الصلب"، حيث يوحّد بين بعث المسيح المصلوب وبين بعث الأمة العربية(جيكور):
حينما يزهر البرتقال
حين تمتد جيكور،حتى حدود الخيال
يلمس الدفء قلبي، فيجري دمي في ثراها
ويتحقق البعث العظيم عبر مخاض المدينة ، فيُصبح المسيح فاديا ومفتدى. وهكذا استفاد السياب من الإطار الأسطوري لقصة المسيح ليحول الموت إلى فداء، ناجحا في الربط بين واقعه الذاتي النفسي وواقع الأمة الحضاري.

عبد الوهاب البياتي: جدلية الأمل واليأس:

تميّز البيّاتي بقدرته على كشف طبيعة الانهيار والسقوط التي انتهى إليها الواقع العربي، وفي نفس الوقت شاعت لديه النزعة المتفائلة، وهكذا تأرجحت تجربة الموت والحياة عنده بين ثلاث منحيات:

1-منحنى الأمل في البعث: وفيه انتصار ساحق للحياة على الموت، حيث يقود الموت إلى الحياة:
جثّتي في شاكئ النهر رماد
نبتت من فوقها زهرة نار

2-منحنى الانتظار: تكافؤ كفتي الموت والحياة، حيث يُؤجّلُ انبعاث بابل إلى أجل غير مسمى:
لو جُمعت أجزاء هي الصورة الممزقة
إذن، لقامت بابل المحترقة
تنفض عن أسمالها الرماد

3-منحنى الشك: ينتصر الموت على الحياة وينكشف الواقع الزائف واقع الدمار والانهيار والسقوط
وخلاصة القول كان الصراع بين الموت والحياة في حقيقته صراعا بين الحرية والحب والتجدد وبين الحقد والاستعباد والنفي من المكان ومن التاريخ، وأكّدت تجربة الموت والحياة وعي الشاعر العربي العميقَ بواقع ما بعد النكبة وما قبلها، واستشراف المستقبل والإيمان بإمكانية بعث الحضارة من جديد والرغبة في التجدد والانتصار على كل التحديات.

تابع المزيد

ملخص الفصل الثالث من مؤلف ظاهرة الشعر الحديث ـ ذ. مرزاق

الأستاذ رشيد مرزاق: تجربة الحياة والموت

بدأ أحمد المجاطي هذا الفصل بالتأكيد على أن تطور الأوضاع العربية بعد نكبة فلسطين سنة 48 أنتج تجربة شعرية تراوحت بين اليأس الذي أثمر تجربة الغربة والضياع، وتجاوزها ليثمر تجربة الموت والحياة التي راهنت على توليد الأمل من عمق المعاناة، ويرى المجاطي أن التجربتين لم يكونا مستقلتين عن بعضهما بل كانتا مرتبطتين تتعاقبان وتتداخلان ويصعب الفصل بينهما. بعد تجربة الغربة والضياع آمن الشاعر الحديث بأن الموات لا يكون موتا إلى الأبد، بل هو معبر يمر منه إلى الحياة، وهو وسيلة للاغتسال والتطهر من دنس الماضي وأدرانه، وهو المحفز للثورة على رواسبها في الحاضر. إن جدلية الموت والحياة من شأنها أن تخلق الشاعر الثوري الذي لا يربط ثورته بثورة معينة، في مكان معين، أو زمان معين، بل يربطها بالثورة في كل زمان و مكان، أي أنه مرتبط بروح الثورة التي تحل في الحياة فتنتصر على الموت، وتحل في الأشياء فتمنحها الحياة. إن تجربة الغربة والضياع كانت في نظر المجاطي مرتبطة بالواقع المتأزم وانعكاساته بعد النكبة، أما تجربة الموت والحياة فقد كانت مشدودة إلى المستقبل بقدر ما هي مشدودة إلى الواقع، إنها معاناة الواقع الذي يتضمن معنى الموت، واستشراف للمستقبل الذي يحمل معنى البعث والتجدد. ولذلك فإن تجربة الموت والحياة تعد تجربة فريدة في تاريخ الشعر العربي، لم تسبقها إلا فكرة تناسخ الأرواح لدى شعراء المهجر الشمالي، غير أنها لم تكن تؤلف تجربة متماسكة، بسب فقدانها للصلة بالواقع الحضاري للأمة حينما أغرق روادها في الخيال والتشاؤم والهروب إلى الطبيعة.
إن تجربة الموت والحياة في الشعر الحديث أبعد عن مسألة تناسخ الأرواح وأقرب إلى فكرة الفداء عند المسيحيين، والشاعر فيها أشبه بالبطل أو النبي الذي يعرف أسرار الكلمة ويقدر على حملها وسكب إكسيرها المقدس في قلوب الناس وضمائرهم ليحقق البعث والتجدد واليقظة. ولذلك لجأ الشاعر الرموز والأساطير لتصوير رؤيته ومخاطبة الوجدان العربي، وأثمر ذلك منهجا أسطوريا يقدم به الشاعر مشاعره ومجمل تجربته وأفكاره في صور رمزية للتواصل مع اللاشعور والرواسب الاعتقادية في الذهن العربي، كل ذلك من أجل التعبير عن معاني الأمل والتجدد وانبعاث الأمة من أنقاض اليأس والخراب، وانتصار الحياة على الموت. وفي هذا السياق خص المجاطي بالدراسة أربعة من الشعراء هم في رأيه خير مثل تجربة الموت والحياة في الشعر الحديث، وهم أدونيس وخليل حاوي والسياب والبياتي.

علي أحمد سعيد "أدونيس" : التحول عبر الحياة والموت

إن ما يهم المجاطي من دراسته لشعر أدونيس هو الشعر الذي التقت فيه ذات الشاعر بذات أمته العربية، فأصبح في موتها وفي بعثها موت الشاعر وبعثه، وقد توزع هذه التجربة ديواناه الأخيران، ديوان "كتاب التحولات والهجرة في أقاليم الليل والنهار" وديوان "المسرح والمرايا". لقد رأى المجاطي أن معاني الموت والحياة في تجربة أدونيس سارت في اتجاهين متكاملين، ينطلق الاتجاه الأول من الحيرة والتساؤل والبحث عن وسيلة للبعث، لكنه انتهى إلى اكتشاف الانهيار الكامل الذي يسود الواقع، وينطلق الاتجاه الثاني من اكتشاف مفهوم التحول بوصفه وسيلة لدفع الواقع العربي نحو البعث والتجدد.
إن لحظة الموت والحياة عند أدونيس هي اللحظة التي يحدث فيها التحول، حيث يموت وجود وواقع قائم بذاته، ويحيا وجود آخر وواقع آخر ليحل محله، فالإنسان في نظره جدل دائم بين الحياة والموت. ويرى أحمد المجاطي أن تجربة الموت والحياة عند أدونيس تستمد قيمتها من هذا الاتجاه الذي يعتمد على مفهوم التحول، وقد توقف الناقد على قصيدتين من شعر أدونيس، تمثل القصيدة الأولى مثالا ناجحا وموفقا وهي قصيدة "تيمور ومهيار" من ديوان "المسرح والمرايا"، وفيها يتحدى مهيار وهو رمز الشعب كل أشكال القهر والقمع والاضطهاد والسجن والقتل والتحريق وكل مل يمارسه عليه تيمور رمز التسلط والاستعباد والظلم لينفيه ويعدمه من الوجود لكنه يظل صامدا ويعود من السجن ومن الموت والحرق ومن الرماد ينبعث أكثر قوة فيبعث الأمة كلها. ويجد المجاطي أن نجاح فكرة التحول في القصيدة راجع إلى عاملين هما استخدام الشاعر لأسطورة الفينيق الذي حرق نفسه لينبعث الربيع من رماده، وأسطورة العنقاء التي تموت ويلتهب رمادها لتحيا من جديد، والعامل الآخر هو المضمون الرمزي للقصيدة التي تشير إلى قوة الإرادة، إرادة الحياة التي تستيقظ في الشعب ولا يستطيع إيقافها أي سلطان حتى ولو كان الموت نفسه. أما القصيدة الثانية التي توقف عندها الناقد فهي قصيدة "الأسماء" التي هي مثال للأعمال الشعرية التي أخفق فيها الشاعر في تحقيق الهدف، لأن التحول فيها كان فجائيا، اعتمد فيه الشاعر على تفاؤل وهمي ليس له مبررات فكرية أو فنية تقنعنا بإمكانية انتصار الحياة على الموت كما رأينا في قصيدة "تيمور ومهيار".
وخلص المجاطي إلى أن شعر أدونيس حينما تراجع عن التمسك بالمنهج الأسطوري فقد ارتباطه بحركة التاريخ العربي، وأمعن في تخطيها وتجاوزها طمعا في إقامة حوار غريب مع ومن لم يكن قد جاء بعد. وهذا ما يراه المجاطي قد ميز أدونيس عن غيره من الشعراء الذين ارتبطوا بحركة التاريخ وسايروا كل امتداداتها مثل خليل حاوي والسياب والبياتي.

خليل حاوي: معاناة الحياة والموت

رفض خليل حاوي مبدأ التحول وأقام مكانه مبدأ المعاناة، وهذا ما استنتجه المجاطي من دواوينه الثلاثة التي تنم عن معاناة حقيقة للخراب وللدمار والجفاف والعقم، وللبعث نفسه. ولذلك كانت لفظة المعاناة حاضرة في مقدمات قصائده وفي شعره أيضا. وانتهى المجاطي من خلال تتبعه للدواوين خليل حاوي أنه انتهى إلى اليأس من خلال معاناة فريدة للموت في ديوانه الأول الموسوم بــ" نهر الرماد" حيث يرسم الشاعر صورة الواقع الذي تفسخت فيه الأشياء والقيم، وأصبح رخوا عقيما، كذلك عبر معاناة التحول في ديوان "الناي والريح"، وتنتهي المعاناة بالخيبة واليأس من البعث في ديوان "بيادر الجوع".
ويعتبر المجاطي أن للمعاناة دخل في التوافق بين إيقاع الأمل واليأس الذي يسود كل ديوان من دواوين خليل حاوي، وبين طبيعة الحقبة التاريخية التي كتب فيها، فقد كتب ديوان "نهر الرماد" بين 1953 و1956، وهي فترة مظلمة في التاريخ العربي، لم يخفف من ظلمتها إلا الاتجاه الذي سارت فيه الثورة المصرية، وهو ما برر للمجاطي نغمة أمل تسود القصيدتين الأخيرتين من الديوان. أما ديوان "الناي والريح" فقد كتب بين 1956 و 1958، وهى أزهى فترة في التاريخ العربي بعد نكبة فلسطين. أما الديوان الأخير "بيادر الجوع" فقد كتب بعد انفراط عقد الوحدة بين مصر وسوريا، أي في الفترة المظلمة التي سبقت النكسة ومهدت لها.

وخلص المجاطي إلى أن جزء كبيرا من عظمة شعر خليل حاوي في تجربة الموت والحياة في مجموعاته الشعرية الثلاث تعود بالأساس إلى توافقها مع التحولات التاريخية والسياسية في واقع الأمة العربية.

بدر شاكر السياب: طبيعة الفداء في الموت

رغم الحضور القوي لمعاني الموت والحياة في شعر السياب، إلا أنها لم تكن مطَّردة على النسق الذي رأيناه في أعمال خليل حاوي، ويرى المجاطي أن ما يميز تجربة بدر شاكر السياب في معاناة الموت والبعث هو كونها تأخذ طبيعة الفداء، الفداء الذي يكون خلاصا بالموت، ويحول الموت إلى انتصار. وتوصل المجاطي إلى أن طبيعة الفداء في الموت داخل أشعار السياب تزداد عمقا وشمولية حين تأخذ صيغتها الأسطورية، ويعتقد الناقد أن السياب نجح في استخدام نموذج أسطوري أعطى للموت معنى الفداء، وهو نموذج المسيح في قصيدة "المسيح بعد الصلب" التي تجسد قوة الحياة بعد الموت، وفيها وحد الشاعر بين بعث المسيح بعد صلبه وبعث الأمة التي رمز لها الشاعر بقريته "جيكور".
ويعود المجاطي ليبحث عن جذور فكرة الموت في حياة السياب فيجدها تعود إلى مراحل أولى من حياته، حينما كان يراسل شاعرا عراقيا يكبره سنا وتجربة هو "خالد الشواف". ووجد المجاطي أن السياب وصف في إحدى الرسائل حلما رآه، وكان الحلم تجليا واضحا لصراع الموت والحياة في نفس السياب منذ مرحلة مبكرة من شبابه، ويلاحظ المجاطي أن نص الرسالة يتشابه في مضمونه مع عدد من القصائد التي تمثل ذروة نضج تجربة السياب الشعرية مثل نص "أنشودة المطر"، ويختم الكاتب حديثه عن السياب بكون إدراكه لجدلية الموت والحياة وتحويلها إلى فداء، هو إدراك قديم قد تكون له علاقة بمزاج الشاعر أو بتركيبة عقله الباطن، ولكن الأهم أنه أحسن توظيفه والاستفادة منه في التعبير عن معاني الموت والحياة في الواقع الحضاري للأمة.

عبد الوهاب البياتي: جدلية الأمل واليأس

بدأ المجاطي حديثه بانتقاد موقف الدكتور عز الدين إسماعيل من شعر البياتي، وهو الموقف الذي جاء في دراسة أنجزها عن ديوان "النار والكلمات"، حيث اعتقد أن صور الأمل عند الشاعر البياتي صور تعميمة، وأن الشاعر لم يقم بتحديدها في إطار فكري، ووقفت الصورة في مجرد الأمل في مستقبل باسم. ويمكن في نظر المجاطي أن يكون هذا الموقف صحيحا إذا نظرنا إلى شعر المجاطي نظرة جزئية، لا تتجاوز ديوانا واحدا كما فعل عز الدين إسماعيل، وهذا موقف خاطئ بالتأكيد إذا نظرنا إلى شعر الرجل نظرة كلية، وخاطئ أكثر إذا أخرجنا تجربة البياتي من إطارها الفكري الشامل المتمثل في جدلية الموت والحياة التي يرى عبد الوهاب البياتي نفسه أن من شأنها " أن تخلق الشاعر الثوري الذي لا يربط ثورته بثورة معينة في مكان معين، بل يربطها بالثورة في كل زمان ومكان، أي يربطها بروح الثورة التي تحل في الحياة فتنتصر على الموت، وتحل في الأشياء فتمنحها الحياة." ومن هنا وجد المجاطي أن تجربة البياتي لم تكن أملا فقط، بل كانت مرتبطة ذاتيا واجتماعيا بالثورة العربية، وهي ثورة تأرجحت بين الأمل وبين اليأس الذي يطغى أحيانا على هذا الأمل، والعلاقة بينهما علاقة صراع قومه موت الذات وموت الحضارة وبعثهما، وهي علاقة اعتبرها المجاطي صالحة لترسم إطارا فكريا تقريبيا لجدلية الأمل واليأس في شعر البياتي، على العكس مما ذهب إليه عز الدين اسماعيل.
ورسم المجاطي في تتبعه لشعر عبد الوهاب البياتي ثلاثة منحنيات:

المنحنى الأول: منحنى الأمل 

وفيه انتصار ساحق للحياة على الموت، وتمثله الأعمال الشعرية السابقة على ديوان "الذي يأتي ولا يأتي"، وخصوصا ديوان "كلمات لاتموت"، وديوان "النار والكلمات"، وديوان "سِفر الفقر والثورة". وفي هذا المنحنى يكون الموت هو الخطوة الأخيرة في نضال الشاعر ورفاقه، وهو الخطوة التي تقود إلى الحياة الحق، لأن الزمن الذي يناضلونه ويناضلون فيه كان زمانا داعرا..كان بلا ضفاف..شاهد عصر ساده الظلام، والموت الذي يتوج حياة المناضل هو باب التجدد والبعث. إن الوعي المتجدد والنضال المستمر والزمن الذي يتبدد بعد، كلها عوامل تضافرت لدفع طرفي الجدلية في اتجاه انتصار الحياة.

المنحنى الثانى: منحنى الانتظار

يمثل هذا المنحنى ديوان "الذي يأتي ولا يأتي"، والصفة البارزة لهذا الديوان هي تشتيت المتناقضات بنثر الواقع والأشياء والمقولات والرموز بينها، لإعاقة أية حركة جدلية تعيد إلى الذهن إمكانية انتصار الحياة على الموت انتصارا ساحقا. ويجد المجاطى في رمزية عمر الخيام مثالا للتناقض في هذا العمل، حينما يظهر مرة يموت ومرة يصارع الثيران، ومرة يضاجع النساء، ويبيع في المطار ويعلم الصبيان ويصيح في المئذنة ويدق الناقوس...وكل هذا التشتت يجسد إيقاع الانتظار. ويقسم الناقد هذا الديوان إلى أربعة خيوط، خط الحياة، وخط الموت، وخط السؤال، وخط الرجاء.

1- خط الحياة

يستمد هذا الخط توهجه من طبيعة الخيام المحكوم عليه بالحياة، ومن طبيعته الثورية، وقدرته النضالية، وتحمله للعذاب المقيم، ومن التفات الشاعر إلى جدلية الموت والحياة التي رمز لها بالعملة القديمة.
2- خط الموت

لم يقف الموت في هذا الخط عند البشر المحكوم عليهم بالموت، بل تجاوزه إلى موت الأسطورة، والتي أراد من خلالها الشاعر أن يقتل المنهج الأسطوري الذي أفاد منه الشعر الحديث، ليؤكد أن الموت ليس سوى عبور إلى الحياة الحق. وذلك من خلال:
موت الوسط الأسطوري:
نيسابور التي تحوم حولها النسور، وإرم ذات العماد التي تشوى حية في النار، وبابل التي تقيم تحت قبة الليل بلا زاد..
موت الأبطال الأسطوريين:
جعل البياتي أبطال الأسطورة فريسة سهلة للموت، فيموت تموز موتا أبديا، وتقتل عشتروت ويمثل بجسدها الجميل، وتموت كثرين، وتموت عائشة، ويموت شهريار، ويموت السندباد، ويموت الخيام...
وبموت الأسطورة بوسطها وأبطالها تموت الثورة ويخفف الموت من توهج الحياة الذي رأيناه في الخط الأول.

3- خط الاستفهام
ويتجسد هذا الخط في خمسة أسئلة محيرة، ألأول عن موت الوسط الأسطوري، والثاني عن موت كثرين وعائشة، والثالث عن موت شهريار، والرابع عن كل هذه الأمور، والأخير عن عظام الخيام التي مازالت تنتظر السقيا، وهذا الخط كان مجاورا لخط الموت.

4- خط الرجاء

يكرس هذا الخط انتقال الفعل من ساحة النضال إلى ساحة الحلم، وقد نجح الحلم في إقامة جو من التوقع والانتظارشبيه بالجو الذي يسبق المعجزات، ولكنه لم يفلح في جمع شتات الصورة المتناقضة التي يقدمها ديوان "الذي يأتي ولا يأتي".
المنحنى الثالث: منحنى الشك
في ديوان "الموت في الحياة" تظهر مرة أخرى قدرة الشاعر على كشف الواقع، حيث يكشف هذه المرة قيم الحياة نفسها، ويستدل على ما تنطوي عليه من زيف، ومن نفي لمقومات الحياة الحق. وليصل إلى هذه الحقيقة كان لابد أن يكشف الشاعر زيف النضال العربي، لأنه لا موت بدون نضال، كما أنه لا بعث بدون موت، فإن حصل بعث دون نضال ودون موت، فهو بعث مزيف، وهو الموت في الحياة كما سماه الشاعر.
ويؤكد المجاطي في ختام حديثه عن تجربة عبد الوهاب البياتي، أن قدرته على كشف الواقع هي مصدر ما في شعره من اهتمام بالموت، أما ما فيه من اهتمام بالحياة، فمصدره الإيمان بالثورة. وهذا الصراع بين الموت والحياة هو ما يقيم جدلية بين صور الأمل واليأس تصلح أن تكون إطارا فكريا افتقده عز الدين إسماعيل في دراسته لشعر البياتي.

خاتمة الفصل

إن الصراع بين الموت والحياة في تجربة الشاعر الحديث يعني في آخر الأمر الصراع بين الحرية والحب والتجدد الذي يجعل الثورة وسيلته، وبين الحقد والاستعباد والنفي من المكان ومن التاريخ. وقد أثبت المجاطي قدرة الشاعر الحديث على رصد هذا الصراع وتصويره بأمانة وصدق، وأثبت بصفة خاصة قدرته على استشراف المستقبل والتوحيد بين الحس الفردي والحس الجماعي، وقد ربط المجاطي هذه التجربة بحركة التاريخ خلال العشرين سنة بين النكبة والنكسة ليثبت أصالة التجربة وارتباطها بواقع الأمة وتحولاته. ويشير في الختام أن التجربة قد أعاقت تواصلها مع الجماهير عدة عوامل أهمها:
العامل الديني القومي: والمتمثل خوف الأوساط المحافظة من أن يكون هذا التيار الشعري محاولة لتشويه الشخصية الدينية والقومية.
العامل الثقافي: والمتمثل في استمرار الذوق التقليدي المحافظ الرافض لكل المحاولات التجديدية.
العامل السياسي: ومصدره خوف الحكام من المضامين الثورية للشعر الحديث، وهو ما جعلهم يقمعون الشعراء ويسجنونهم أو ينفونهم ويصادرون أعمالهم.
ويبقى أهم عامل في نظر المجاطي هو حداثة التقنيات والوسائل الفنية التي حالت دون تمثل الجماهير للمضامين الثورية في هذا الشعر.

تابع المزيد